مرحلة الانسحاب العسكري من افغانستان، وما يسبقها، وما يتبعها، تشغل بال الولايات المتحدة الاميركية كثيرا. فالامور ليست بالسهولة التي يعتقدها البعض. وهناك ترتيبات لا بد منها قبل تنفيذ عملية الانسحاب الكامل، سواء أكان على مستوى الداخل الافغاني، ام على المستوى الاستراتيجي، نظرا للمعادلات المحيطة بافغانستان، ونوعية العلاقات مع دول الجوار، ومدى انعكاسها على المصالح الاميركية.
لقد لفت الانظار المؤتمر الدولي الكبير الذي انعقد مؤخرا في العاصمة الافغانية كابول وحضره الامين العام للامم المتحدة، والرئيس الافغاني، وممثلون لسبعين دولة من انحاء العالم، بينهم وزيرة الخارجية الاميركية. فما هو الهدف من هذا المؤتمر الدولي الكبير الذي ربما، لم يسبق له مثيل؟
اعتقد البعض ان المؤتمر يهدف في شكل عام الى حلحلة المصاعب التي تواجه الاستراتيجية الاميركية في الانسحاب من افغانستان. ورأى البعض الآخر انه يهدف الى تأمين المساعدات المالية لتسهيل انتقال السطات الامنية في البلاد الى القوات الافغانية، واقرار المبالغ الضرورية لذلك.
لكن يبدو ان الهدف يتعدى موضوع المساعدات المالية التي تحتاجها افغانستان لقواتها المسلحة، الى امور مهمة تطال المنطقة الكبيرة التي تحيط بافغانستان، والتي تنتظر بفارغ الصبر رحيل القوات الاجنبية منها. هذا الرحيل الذي يبدو انه لا يتلاءم ولا يتطابق حتى الان، مع التوقيت المتعثر الذي وضعته الولايات المتحدة لانسحابها، لا سيما انها تراقب عن كثب مواقف وطموحات باكستان، والهند، وايران، وحتى تركيا التي تطمح الى دور رائد في تلك المنطقة ايضا.
يشعر المراقبون ان ملامح البيئة الجديدة بدأت تظهر، والدلائل واضحة. فالتقارب بين باكستان وافغانستان اصبح واضح المعالم، كما الدور الكبير الذي لعبته تركيا في تحقيق هذا التقارب. بالاضافة الى التفاهم بين باكستان والولايات المتحدة الاميركية. ويحصل كل هذا حاليا على حساب الهند التي تسعى الى تأمين مصالحها واعادة النظر باستراتيجيتها. اما ايران فهي مرتاحة الى نفوذها في العراق، وتسعى بهدوء الى بلورة نفوذ لها في افغانستان. وبهذا الصدد نشير الى ما قاله وزير الخارجية الايراني الى الرئيس الافغاني: "ان افغانستان تحتاج الى مقاربة اقليمية".