قراءة إستراتيجية
الاستيطان الاسرائيلي وسياسة التهويد
بسام العسلي
جاء تكوين المشروع الصهيوني على ارض فلسطين العربية ليضم خلاصة التجارب الاستعمارية الاستيطانية الاوروبية في ليل الاستعمار الغربي الاوروبي، وليطور خلاصة تلك التجارب التي اعتمدت سياسات الهجرة والاستيطان، لدعم سلطاتها الاستعمارية على البلاد التي يتم استعمارها. وهكذا شكلت الهجرة والاستيطان قاعدة قيام اسرائل وتطورها، حتى اليوم. ولقد تطور العالم منذ نهاية القرن التاسع عشر، وحتى العام ٢٠١٠ من القرن الحادي والعشرين، وليست مقاومة الدول الكبرى للهجرة غير المشروعة لبلادها، واستصدار القوانين الرادعة ضد المتسللين من المهاجرين غير الشرعيين. كما لم يعد عالم اليوم يستطيع تجاهل اخطار الهجرة والاستيطان في فلسطين، بعد تلك المقاومة البطولية للشعب العربي الفلسطيني، والمدعوم عربيا ودوليا، والتي برهنت ان المشروع الصهيوني قد وصل الى نهايته، غير ان قادة الكيان الصهيوني واصحاب المشروع الصهيوني ومستثمريه، ما زالوا معاندين في مواقع الاستعمار القديم، ومتمسكين بشعارات برهنت الايام على فشلها.

العالم ضد الاستيطان
وقف الشعب العربي في كل اقطاره يوم ٢ تشرين الثاني"نوفمبر ٢٠٠٩ لاحياء ذكرى وعد بلفور المشؤوم الثاني والتسعين. وهو الموعد الذي تم وصفه قانونيا بالكلمات التالية: "عطاء من لا يملك لمن لا حق له". فلا السيد بلفور يملك فلسطين وشعبها وارضها، ولا لليهود حق في فلسطين، التي يمتلكها اهلها وسكانها منذ آلاف السنين. وفي هذا اليوم ذاته، كانت الجرافات الاسرائيلية تهدم ٣ منازل في القدس يملكها فلسطينيون ضمن موجة جديدة شملت عشرة منازل، وشردت اكثر من مائة مقدسي، بالاضافة الى توجيه الانذارات الى عرب ١٩٤٨ لاخلاء ٣٠ الف منزل تنوي السلطة الاسرائيلية استملاكها. وتقع الممارسات الاسرائيلية تحت سمع العالم وبصره، ولم يعد باستطاعة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي التقى نظيره البريطاني ديفيد ميلييند في لندن وصدر عنهما بيان جاء فيه: "ان تسوية قضية الشرق الاوسط تتمثل في اقامة دولة فلسطينية قادرة على الحياة، ويجب على اسرائيل التوقف فورا عن تنفيذ المشاريع الاستيطانية، وبخاصة في مدينة القدس". ولكن القيادة الاسرائيلية لم تتوقف عند كل الاحتجاجات الفلسطينية والعربية والدولية ضد سياساتها الاستيطانية. وفي يوم ١١ تشرين الثاني"نوفمبر ٢٠٠٩. استبق وزير الخارجية الهولندي ماكسيم فيرهاغن موعده للقاء نظيره الاسرائيلي افيغدور ليبرمان ليصرح بما يلي: "ان على اسرائيل ايقاف الاستيطان الذي يشكل عقبة امام السلام" وفي اليوم ذاته، نشرت صحيفة معاريف الاسرائيلية مقالا لكاتبه شروم بروشالمي قال فيه: "ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير حربة ايهود باراك لا يؤمنان بالسلام، ويعملان على افشاله، ولذلك فان زيارتهما لواشنطن لن تحقق شيئا، اذ ان نتنياهو يعتبر اقامة دولة فلسطينية مستقلة هو كابوس، ولهذا فهما يضعان شروطا من غير الممكن تحقيقها وقبولها، وهو لا يدرك بوعيه وفكره انه قادر على التخلي عن نصف فلسطين ليستعيدها الفلسطينيون. وبالتالي فيجب عدم التأثر بتصريحات باراك عن ضرورة تحقيق السلام او تصديقها، لانه لم يعمل حتى اليوم على اخلاء ولو بيت من البؤر الاستيطانية، وهو ونتنياهو يتحدثان عن كبح جماح المستوطنات، ولكن يعرف الجميع ان مثل هذه الاحاديث مجرد سخافات، والشواهد على ذلك الاستمرار في بناء المستوطنات دونما توقف. ان نتنياهو لم يتحرك خطوة واحدة نحو السلام لانه لا يريد السلام، ويعرف مسبقا انه لا فائدة من المفاوضات". ولم تكن هذه المقالة في صحيفة اسرائيلية هي الظاهرة الوحيدة في اسقاط الاقنعة عن هذه القيادة الصهيونية الشوفينية والقاصرة والتي تعيش متقوقعة في فكر الانظمة الاستعمارية البائدة. ولهذا لم يكن امرا غريبا ولا مباغتا ان تستمر اسرائيل في مسيرتها ضد تيار السلام، ففيما كانت عواصم الدول الكبرى وعواصم الوطن العربي تتابع باهتمام كبير ما يحدث على ارض فلسطين وما يظهر او يستجد من تحديات اسرائيلية. وفيما يتابع الشعب الفلسطيني تطور الاتصالات والمؤتمرات على طريق السلام اصدرت سلطات الاحتلال الاسرائيلية يوم ١٧ تشرين الثاني"نوفمبر ٢٠٠٩ بيانا تضمن موافقتها على بناء ٩٠٠ وحدة سكنية استيطانية جديدة في مستوطنة جيلو جنوب القدس المحتلة. واصدرت وزارة الخارجية الاميركية على الفور بيانا اعلنه المتحدث باسم وزارة الخارجية ايان كيلي وجاء فيه:
"ان الولايات المتحدة الاميركية تعارض هذا الامر، كما تعارض اي ممارسات اسرائيلية اخرى في القدس تتعلق بالسكان، بما في ذلك مواصلة عمليات الاخلاء للفلسطينيين وهدم منازلهم. وان قرار لجنة تخطيط القدس بالموافقة على توسيع المستوطنة، هو قرار مثير للاستياء، وان مثل هذه الاجراءات تجعل نجاح الجهود الاميركية اكثر صعوبة. ان موقفنا بالنسبة للقدس واضح. ونحن نؤمن بان القدس من بين القضايا التي تنتظر الحل النهائي الدائم التي يجب حلها عبر المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي. ويعرب البيت الابيض عن اسفه الشديد لقرار السلطة الاسرائيلية بتوسيع المستوطنة: لان اسرائيل بذلك تعيق الجهود المبذولة للوصول الى سلام مع الفلسطينيين".
وفي اليوم ذاته ايضا صرح وزير الخارجية البريطاني ديفد مليباند بما يلي: "ان بريطانيا تدين بشدة قرار اسرائيل بتوسيع مستوطنة جيلو في القدس المحتلة. وان هذا القرار يجعل الوصول الى اتفاق سلام اكثر صعوبة. ان هذا القرار الاسرائيلي خاطئ ونحن نعارضه". وقد يكون من المناسب التوقف عند موقف تركيا من الممارسات الاسرائيلية في فلسطين واولها قضية الاستيطان حيث صرح وزير الخارجية التركي داود اوغلو في اليوم ذاته بما يلي: "ان تصرفات الحكومة الاسرائيلية هي التي تضع منطقة الشرق الاوسط في حال توتر مستمر من خلال تهديداتها باستخدام القوة العسكرية. وان سياسة الحكومة الاسرائيلية قد شكلت عقبة رئيسية امام الوصول الى تسوية شاملة في المنطقة، حيث تتعارض هذه التسوية مع الرؤية التركية للسلام في المنطقة. وان الاستمرار في توسيع المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة هي السبب في توتر العلاقات التركية - الاسرائيلية. كما ان توسيع المستوطنات يثير قلق عدد من دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي وروسيا التي دعت جميعها الى وقف بناء المستوطنات اللاشرعية التي تقوم ببنائها الحكومة الاسرائيلية. وان تركيا لا تعترف بالتأكيد بالقدس عاصمة لاسرائيل. وتعمل تركيا على مراقبة ما تقوم به اسرائيل في المسجد الاقصى، لان اي اجراء بحق المسجد سيثير الرأي العام في تركيا - وفي الدول الاسلامية". ويصبح لزاما التعرض للتقرير الذي اصدرته دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية يوم ٨ تشرين الثاني"نوفمبر - ٢٠٠٩. ومما ورد فيه:
"تتابع سلطات الاحتلال الاسرائيلي تكريس احتلالها للاراضي الفلسطينية التي احتلتها سنة ١٩٦٧، من خلال الاستيطان وتنكرها لالتزاماتها حسب خطة الطريق - الاميركية، ففي الفترة ما بين حزيران"يونيو وشهر تشرين الاول"اكتوبر ٢٠٠٩ كانت هناك ٢٩٩٥ وحدة استيطانية قيد البناء النشط في مستوطنات الضفة الغربية، دون حساب الوحدات التي يتم بناؤها ضمن حدود بلدية القدس المحتلة. كما بدأ العمل في بناء ٣٣٠ وحدة استيطانية في مستوطنات الضفة الغربية. وهناك حوالي ٤٣٩ وحدة سكنية اكتمل بناؤها في مستوصنات الضفة الغربية. ويبلغ مجموع مشاريع البناء الجارية في ١١ مستوطنة في الضفة الغربية حوالى ٤٠٥٩ وحدة استيطانية. وان ٩١ بالمائة من هذه المستوطنات في منطقة القدس وليست هذه الارقام والبيانات اكثر من مؤشرات لتقويم حجم الهجمة الاستيطانية الاسرائيلية والمقترنة بهجمة اسرائيل على ا لسلام. والهدف الواضح هو كسب الوقت لاقامة المواقع امام اقامة دولة فلسطين العربية.

القدس والمقدسات
تبقى ام المدائن ثالث بيوت الله المقدسة لدى المسلمين. وتبقى للخليل قدسيتها لدى المسيحيين. ويبقى تراب فلسطين مقدسا في قلوب جموع المؤمنين فكيف هو حال الفئة المرابطة ابدا للدفاع عن المقدسات؟ لقد شكل جهاد المقدسيين ضد الاحتلال الاسرائيلي وممارساته، سجلا ضخما من الامجاد ومن ضروب البطولات والصير على مكائد اليهود وعملهم الدؤوب لتهويد فلسطين وبصورة خاصة تهويد القدس... وقد يكون لزاما اختيار بعض سطور ملحمة اهل القدس لحماية مقدساتهم. ومن ذلك وفي السجلات اليومية للممارسات الاسرائيلية، يمكن التوقف عند احداث يوم ١٩ آب"اغسطس ٢٠٠٩ وقراءة ما يلي: "تسعى اسرائيل الى احياء مشروع قديم لبناء ٤٥٠ وحدة سكنية استيطانية في القدس متجاهلة قرارات الشرعية الدولية، ونداءات العالم المطالبة باتفاق بناء المستوطنات على الاراضي الفلسطينية المحتلة، وضاربة عرض الحائط بكل الجهود الدولية لدفع عملية السلام، ومنها الجهود الفرنسية حيث اعلن الناطق باسم الخارجية الفرنسية وشركائها الاوروبيين رغبة اوروبا لايقاف كل اشكال الاستيطان، بما يسهل من اجراء مفاوضات السلام مع الفلسطينيين. ليس ذلك فحسب، بل ان قوات الاحتلال قامت بشن حملة مداهمات واعتقالات في الضفة الغربية، واقدمت على القيام بعمل استفزازي باستبدال مفاتيح واقفال احد ابواب المسجد الاقصى، في محاولة للسيطرة عليه، واغلقت الحرم الابراهيمي امام المصلين، بحجة بدء الاعياد اليهودية. وفي السويد نشرت صحيفة "ادنوم بلاديت" مقالا تعرضت فيه لذكر قيام جنود الاحتلال بقتل فلسطينيين، واستلاب اعضائهم البشرية والمتاجرة بها، وان هذا العمل الوحشي، كفيل وحده بقيام محكمة العدل الدولية بالتحقيق بهذا الشأن مع حكومة الاحتلال.
وبعد ذلك وفي يوم ٦ ايلول"سبتمبر ٢٠٠٩. استعاد المرابطون المقدسيون ذكرى احداث هذا اليوم الذي عاشوه قبل ستة عشر عاما عندما اقتحم مستوطن يهودي باروخ غولدشتاين المسجد الواقع في وسط الخليل الضفة الغربية، واطلق النار والقى القنابل على المصلين وعددهم اربعمائة في فجر يوم الجمعة ١٥ رضمان ١٤١٥ ه الموافق اليوم الاول من شباط"فبراير ١٩٩٤. وقامت سلطات الاحتلال في اعقاب ذلك بالاستيلاء على نصف المسجد، وقامت بتسليمه لليهود. وقد استشهد في هذه العملية ٢٩ فلسطينيا، واصيب العشرات بجروح خطيرة. وقد جاءت هذه العملية تأكيدا للمقولة الشائعة بين الفلسطينيين، والتي يرددونها كل يوم: "لقد حولت اسرائيل كل ايامنا الى مجازر" ولقد عملت سلطات الاحتلال على تسخير المستوطنين اليهود لايذاء الفلسطينيين والمقدسيين بخاصة وابتداع كل اساليب التدمير المادي والمعنوي في محاولة متابعة السياسة الثابتة لاسرائيل لاخلاء فلسطين من اهلها ومواطنيها العرب.
ما كان باستطاعة المنظمات الدولية والمنظمات الانسانية وفي طليعتها هيئة الامم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي، الا ان تقف لنصرة فلسطين والمقدسيين منهم بصورة خاصة، وهذا ما تعرض له المدير العام للمنظمة الاسلامية عبد العزيز عثمان التويجري في الاول من ايلول"سبتمبر ٢٠٠٩ بقوله "ستشارك المنظمة بحملة لدعم الاسر الفلسطينية التي تمارس عليها سلطات الاحتلال الاسرائيلية ضغوطات لارغامها على مغادرة مساكنها بحجة انها لا تستطيع دفع الضرائب المفروضة عليها. وذلك حتى تتمكن تلك الاسر من المحافظة على املاكها في القدس المحتلة. كما عملت المنظمة على اصلاح وترميم معالم حضارية في القدس الشريف عن طريق اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والعلوم والثقافة ومقرها في رام الله. كذلك تتابع المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة - ايسيسكو جهودها في عقد المؤتمرات لفضح العدوان الاسرائيلي الهمجي على المقدسات في فلسطين وفضح الممارسات الاسرائيلية وارتكابها لجرائم الحرب، ويشاركها في ذلك رجال القانون الحقوقيون من العرب والاجانب، ومن الشهود الذين عاشوا معاناة الاطفال والنساء والشيوخ وكل افراد الشعب الفلسطيني" وبعد ذلك، وفي يوم ١١ ايلول"سبتمبر ٢٠٠٩ صدر بيان عن مؤسسة الاقصى للوقف والتراث تضمن معلومات عن اقدام سلطات الاحتلال الاسرائيلي على اتخاذ اجراءات لشق نفق جديد تحت بلدة سلوان يزيد طوله على ١٢٠ مترا وبعرض متر ونصف المتر، وبارتفاع ثلاثة امتار، يتجه شمالا باتجاه المسجد الاقصى، وذلك للربط بين شبكة الانفاق التي نظمتها اسرائيل طوال اربعين سنة من عمر الاحتلال في بلدة سلوان والتي تحيط بالمسجد الاقصى، وقد شكلت هذه الحفريات والانفاق خطرا مباشرا على المسجد الاقصى المبارك، فضلا عن تدميرها للاثار العربية والاسلامية في سلوان. وبذلك تتعرض القدس لابشع جريمة عرفها التاريخ من تهويد وتهجير وهدم للمنازل بكل ادوات الاجرام الاسرائيلي.
قامت قوات الاحتلال الاسرائيلي بعد ذلك يوم ٢٨ ايلول"سبتمبر ٢٠٠٩ بعزل مدينة القدس في اعقاب فشل محاولة المستوطنين اقتحام المسجد الاقصى وقيام الاف الفلسطينيين بالتظاهر تنديدا بمحاولة تدنيس الاقصى. واعلنت السلطات الاسرائيلية يوم ١٥ تشرين الاول"اكتوبر ٢٠٠٩ عن بدء العمل لتنفيذ مشروع تسيير خط سريع للقطار يصل بين المستوطنات اليهودية، ويقسم القدس الى شطرين. وتجددت محاولة اقتحام اليهود للاقصى يوم ٢٥ تشرين الاول"اكتوبر واستطاع المقدسيون احباط المحاولة، ونددت الدول العربية والاسلامية بهذا العدوان. الذي يشكل انتهاكا لكل المقدسات الاسلامية. وتستمر محاولات اليهود لتحدي اهل فلسطين، ويستجيب المقدسيون والمرابطون في فلسطين لكل انواع التحديات وقطار السلام عاطل عن التحرك.

الصهيونية والتهويد
اذن، فقضية الاستيطان وتطوراتها ما هي الا المحور الرئيسي في المشروع الصهيوني، ولقد عرف الشعب الفلسطيني بصورة خاصة والشعوب العربية وقياداتها كل انواع الخداع والتضليل، ولهذا لم يعد بالمستطاع خداع من لا يمكن خداعه او تضليل من لا يمكن تضليله، وعلى سبيل المثال، ففي يوم ٢٥ تشرين الثاني"نوفمبر ٢٠٠٩، خرج رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو ليعلن ان الحكومة الاسرائيلية قد اتخذت قرارا بايقاف الاستيطان في الضفة الغربية باستثناء القدس، وايقاف التراخيص لمشاريع بناء جديدة لمدة عشرة اشهر على ان يتم استكمال عمليات بناء المساكن التي بدأت عمليات بنائها. وان هدف هذا القرار المؤلم قد اتخذته الحكومة الاسرائىلية بهدف تمهيد السبيل امام استئناف مفاوضات السلام. واستقبل اصحاب المشروع الصهيوني ومستثمروه في عواصم الغرب وفي اميركا، هذا القرار بالترحيب. على امل اقناع الشعب الفلسطيني بقبول السير الى الفخ الخداعي الاسرائيلي. غير ان الشعب الفلسطيني سارع الى رفض هذا القرار المخادع، فقضية استثناء القدس من وقف الاستيطان هي لاكمال مشروع تهويد القدس، ومدة العشرة اشهر في بقية الضفة الغربية هي المدة المطلوبة لاكمال ما تم وضع حجر الاساس لبنائه، فأين هو مصدر القرار المؤلم؟ ومن الذي سيشعر بالالم من مثل هذا القرار التاريخي؟ ثم أليس استثناء القدس من ايقاف التوطين هو بمثابة اعتراف صهيوني بتهويد القدس من جهة وبحرمان الفلسطينيين من اقامة دولتهم التي يجب ان تكون القدس عاصمة لها؟ لقد استبق الفلسطينيون مثل هذا الموقف الصهيوني - الاسرائىلي الذي كانوا يتوقعونه على ما يظهر، ففي ١١ ايلول"سبتمبر ٢٠٠٩ القى نائب رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني احمد بحر كلمة في بيت لاهيا جاء فيها:
"تتعرض القدس لأبشع جريمة عرفها التاريخ من تهويد وتهجير وهدم للمنازل بكل انواع الاجرام الاسرائىلي. وان القبول بما يسمى يهودية اسرائيل ينفي الوجود الفلسطيني، وهو اجرام بحق الفلسطينيين، اذ ان الاعتراف بدولتين يهودية وفلسطينية يشكل ظلما واجحافا بحق الفلسطينيين، لان الدولة الفلسطينية التي تريدها اسرائىل لا وجود لها ولا سيادة ولا قرار. وان المقاومة الوطنية الفلسطينية لا تقبل ولا تعترف بيهودية الدولة، ولا يمكن ان تتنازل عن حق الفلسطينيين وثوابتهم، فالشعب الفلسطيني شعب مقاوم، ضحى وسيستمر في تقديم تضحياته بالغالي والنفيس، من اجل قضيته الوطنية". ولقد سبقت الاشارة الى استنكار الفلسطينيين والشعوب العربية والاسلامية وقياداتها، وكذلك معظم قيادات العالم للمشروع الاسرائىلي ببناء ٩ آلاف وحدة سكنية في القدس. وتشكلت بذلك جبهة عالمية ضاغطة على اسرائىل، لايقاف تحدياتها الاستفزازية، فكان موقف نتنياهو وحكومته فرض مزيد من التحديات، مع معاودة استخدام اساليب الخداع والتضليل. ففي ٢٤ تشرين الثاني"نوفمبر ٢٠٠٩ اعلنت الحكومة الاسرائىلية انها ستعمل على بناء مساكن بديلة للفلسطينيين الممنوعين من البناء في القدس. وجاء رد المقدسيين الفوري برفض هذا العرض الاسرائىلي الذي اعتبره الفلسطينيون مجرد بالونات اعلامية ودعائية هدفها تسويغ التوسع في بناء المستوطنات. وبخداع العالم بالقول ان حكومة اسرائىل لا تقيم الابنية لليهود فقط، وانما تعمل على بناء منازل للفلسطينيين ايضا. وان هدف اسرائىل الحقيقي هو افراغ القدس من سكانها الفلسطينيين.
ردا على كل الاحتجاجات ضد قرار اسرائىل بناء ٩ آلاف وحدة سكنية، اعلنت الحكومة الاسرائيلية يوم ٢٠ تشرين الثاني"نوفمبر ٢٠٠٩ ان تعد مخططا لبناء ١٥ الف وحدة استيطانية في القدس. واعقبت ذلك في الاعلان يوم ٢٣ تشرين الثاني"نوفمبر ٢٠٠٩ بان سلطات الاحتلال في القدس المحتلة قد اصدرت اوامرها باخلاء ٢٥ منزلا فلسطينيا، شمال المدينة المقدسة. وان هناك مخططا لهدم ٧ آلاف منزل في القدس. وتعقيبا على هذه الهجمة الاستيطانية اليهودية، التي اقترنت على ما اصبح معهودا بهجمات ارهابية واعتقالات واعتداءات استفزازية صرح مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية بان الاحتلال الاسرائىلي يمارس رسميا وعلنيا سياسة التطهير العرقي، وذلك بطرد وابعاد وترحيل مجموعات كبيرة من عرب فلسطين من موطن اقامتهم الدائمة، في الوقت الذي يستقدم فيه المستوطنين الى مدينة القدس المحتلة، ليستقروا في مساكن الفلسطينيين، وليحلوا محل السكان الاصليين.
كذلك صرح خبير الاستيطان خليل التفكجي في اليوم ذاته، بما يلي: "تتابع سلطات الاحتلال تنفيذ سياساتها التي انطلقت بها منذ العام ١٩٦٧، وهدفها جعل القدس في العام ٢٠٢٠ خالية من ابنائها الفلسطينيين. ولدى السلطات الاسرائىلية في القدس المحتلة مخطط معلن يقضي بهدم ٧ آلاف منزل فلسطيني داخل المدينة المقدسة، ومصادرة الاراضي، وسحب الهويات وتقليص نسبة الفلسطينيين الى ١٢ بالمائة من اصل ٣٥ بالمائة. ولهذا فقد دمرت منذ سنة ١٩٩٤ حتى اليوم، مع نهاية العام ٢٠٠٩ حوالي ٨٦٨ منزلا. وهي تعمل على تهجير الف مقدسي في كل عام بسحب هوياتهم منهم". ولا بد من وضع ذلك كله ضمن اطار السياسات الدولية التي شغلت كل قطر عربي واسلامي بهمومه الخاصة ومشكلاته الداخلية والخارجية. ومن العجب ان هذه الامة التي يفخر كل انسان بالانتماء اليها انها تستمر في المقاومة على كل جبهاتها رغم كل المعوقات والصعوبات. ولا ريب ان تفاؤل الاستجابات مع ثقل التحديات الصهيونية، ونظائرها، هو نافذة الامل التي تتطلع الشعوب العربية والاسلامية من خلالها الى آفاق المستقبل.

فلسطين والنصر القادم
يمكن على ضوء ما تقدم عرضه، ومن خلال استقراء ملامح التجربة التاريخية للاستعمار الاستيطاني سواء أفي الحروب الصليبية القديمة ام في الانظمة الاستعمارية الاستيطانية الحديثة - الاوروبية التوقف عند بعض الحقائق الثابتة التي تحدد مستقبل السياسات الاستيطانية الاسرائيلية و منها:
اولا - ان القيادات الاسرائيلية بمجموعها هي قيادات غير قادرة على الاستجابة لمتطلبات السلام العادل والشامل والقابل لليحاة، بسبب الالتزام الاسرائيلي بالفكر الصهيوني وموروث الفكر الاستعماري، علاوة على الدور الوظيفي لاسرائيل في الوطن العربي. ولهذا ستبقى الهجرة والاستيطان ماثلة امام اعين قادة اسرائيل واصحاب مشروعها.
ثانيا - ان الاستيطان الذي يشكل قاعدة قوية لبناء النظام الاستعماري في مرحلة نشوئه وتطوره، فانه يتحول الى عبء ثقيل يصل في النهاية الى عجز النظام الاستعماري ذاته عن احتمال اعبائه، وتجربة دور المستوطنين في الجزاء وتمرد مستوطني الجزائر على الحكومة الفرنسية، مما استدعى قيام الجنرال ديغول بانقلاب الجمهورية الخامسة والقضاء على ثورة الجنرال ماسو وهي الثورة التي قام بها المستوطنون ودعمها الجنرال ماسو، فكان الضحية الاولى وكان قادة المستوطنين ايضا في جملة ضحاياها.
ثالثا - ان مقارنة وضع المشروع الصهيوني عند قيام دولة اسرائيل، بما وصل اليه هذا المشروع في العام ٢٠١٠ يؤكد حقيقة ان هذا المشروع لم يعد عبئا ثقيلا على اصحاب المشروع ومستثمريه، بل اصبح عبئا ثقيلا على النظام العالمي بمجموعه. ولم يحدث هذا التحول في فراغ، وانما حدث بنتيجة تفاعلات مستمرة في بوتقة مسيرة العالم وكان للوطن العربي والشعوب الاسلامية واحرار العالم، والدول المحبة للسلام. علاوة على التحولات السياسية والاقتصادية والاعلامية في العالم دور كبير في دفع اسرائيل الى هاوية الدولة المنبوذة عالميا حتى لو تمت مشاركتها بمناورات حلف شمال الاطلسي وحتى لو تم دعمها ايضا بالمزيد من تقانة التسلح واسلحة الدمار الحديثة والمتطورة.
رابعا - اذا كان اليهود المستوطنون قد تمسكوا بما حصلوا عليه من نهب للارض ومن مساعدات اميركية واوروبية سخية، فأصبح الفكر الصهيوني دينهم. فهل يستطيع العرب والفلسطينيون منهم خاصة نسيان ما تعرضوا له عبر ايام واشهر وسنوات وعقود من الظلم والتقتيل والارهاب والسجون على امتداد قرن من عمر الزمن. مع الاستباحة لكل المحرمات والمقدسات التي يدينون بها؟ وهل يمكن لاجيال المستقبل العربي في فلسطين نسيان حقولهم ومزارعهم وبيوتهم وارضهم ومواطن الاباء والاجداد التي انتزعت منهم في غفلة من الزمن؟ وحتى لو حاولوا فتح صفحة جديدة مع اليهود للتعايش، فهل ستندمل الجراح النازفة طالما بقيت ممارسات المستوطنين مستمرة لزيادة عمق الجراح؟
خامساً - ان السلام الذي تحاول دول القرار الدولي تصنيعه سيبقى سلاماً واهياً وهشاً، اذا لم تتوافر قناعة دولية بانهاء دور المشروع الصهيوني مع قناعة راسخة لدى المستوطنين، ورغبة صادقة بسياسة التعايش. فقضية السلام هي قضية علاقات متبادلة. قاعدتها العدل ورقع الظلم والالتزام بالتعهدات والاتفاقيات والقوانين التي تنتظم لها العلاقات الدولية. وقد برهنت القيادات الاسرائيلية باستثناء حالات خاصة عجزها عن الوفاء بمتطلبات السلام، وبالتالي فما من احد اصبح قادراً على تقديم مبادرة للسلام، كما ان حالة اللاسلام واللاحرب لن تحقق امناً ولا استقراراً بحسب تجارب الصراع العربي - الاسرائيلي. وبالتالي، فان الحديث عن النصر العربي الفلسطيني انه قادم لا محالة وان هذا النصر هو الذي سيضع السلام الحقيقي كمثل ما طرحه الرئيس الراحل ياسر عرفات على منصة المجتمع الدولي في هيئة الأمم المتحدة وكمثل ما تضمنه مشروع السلام العربي او ربما بصورة افضل لابناء فلسطين وبايجاز فانه قد يكون من غير المتوقع ان تقبل اية قيادة في اسرائىل ايقاف الاستيطان والاقلاع عن ممارسة سياسة التهويد. وان الازمة التي تفجرت وتفاعلت ما بين ١٠ و٢٠ آذار"مارس ٢٠١٠ التي تسببت بتوتر في العلاقات الاميركية - الاسرائيلية بشأن تعميم رئيس وزراء اسرائيل نتنياهو على انشاء مجمع سكني ضخم في شرق القدس واستنكار الدول الرباعية الراعية لعملية السلام وهي اميركا والاتحاد الاوروبي وروسيا الاتحادية وهيئة الأمم المتحدة لهذا الاجراء علاوة على حالة الهيجان التي اجتاحت دول الشعوب العربية والاسلامية قد شكل عقبة امام عملية السلام وايقاف المفاوضات المباشرة وغير المباشرة. وأصبح الوضع يحتاج لارادة دولية حازمة وصادقة لارغام اسرائيل على ايقاف مشاريعها الاستيطانية، وكذلك امتناع قادة اسرائيل عن طرح الشروط التعجيزية التي ترددها كلما تحركت عجلة مفاوضات السلام وهي اولاً - اعتراف العرب - الفلسطينيين خاصة بيهودية الدولة. وثانياً - ضمان امن اسرائيل وثالثاً - ان تكون دولة فلسطين دولة منزوعة السلاح. في حين يطالب المجتمع الدولي ويصر قادة الشعب الفلسطيني على ان تكون دولة فلسطين قادرة او قابلة للحياة... فهل هناك دولة في العالم تستطيع العيش والحياة بصورة طبيعية والى جوارها دولة عدوانية ومسلحة حتى الاسنان؟ تلك هي قضية اسرائيل وتلك هي قضية الاستيطان وسياسة التهويد في مجال التقدم نحو السلام. ولا ريب انه من المحال قبول الاستمرار بالسياسة الاسرائيلية على هذا النهج، فالعالم العربي يعيش اليوم على فوهة بركان وهذا مما يعيد السؤال الذي سبق طرحه كثيراً في ازمنة متباعدة وهو: هل ستكون اسرائيل سبباً لحرب عالمية ثالثة؟ وما هو نوع الأسلحة التي ستستخدم في مثل هذه الحرب؟
إطبع هذا المقال    قرأ هذا المقال   156 مرة   
 
 

  
 

Highlights| المعلوماتية العسكرية| تكنولوجيا الدفاع | حول العالم| العالم العربي| تحديث السلاح| الافتتاحية| رسالة الناشر|  Introduction| Subscription| Advertising| Contact US