الارهاب العالمي: انتشار ومكافحة
اعداد العميد الركن م
ابراهيم اسماعيل كاخيا
على اثر "تفجيرات نيويورك" في ١١ ايلول العام ٢٠٠١، اجتاحت منطقة الشرق الاوسط، وبعض الدول المجاورة لها شرقا، موجات متتالية من الحروب والصراعات المسلحة، أطلق عليها اسم "الحروب ضد الارهاب" - وفق التوصيف الاميركي - وكلما خبت نيران حرب في مكان ما من هذه المنطقة الواسعة الارجاء، اشتعلت نيران حرب جديدة في منطقة جغرافية اخرى، وقد اتسمت هذه الحروب بالعنف وتدمير البشر والحجر، والمجازر الجماعية، وقتل الشيوخ والاطفال والنساء ممن لا ناقة لهم ولا جمل في هذه الحروب والصراعات الدموية الشرسة. بل بات "التفجير الانتحاري" شيئا عاديا ومألوفا في تلك الصراعات.
وقف المجتمع الدولي موقف المتفرج على هذه الحروب، سوى نزر قليل من الباحثين او منظمات حقوق الانسان، لان المعتدين ساروا الى هذه الحروب دون غطاء قانوني في منظمة الامم المتحدة او مجلس الامن، ضاربين بالقانون الدولي العام، والقوانين الانسانية عرض الحائط، ولم يبد المجتمع الدولي اهتمامه الكافي بتجاوز المعتدين، لأبسط القواعد الاخلاقية والقانونية، بل ان بعض الدول الاوروبية والاميركية وغيرها ارسل قواتا للمساهمة في هذه الحروب، متخذا ذرائع واهية كحفظ الامن والسلم الدوليين، مخفيا أطماعه في تحقيق مصالح ذاتية ومكاسب اقتصادية حقيقية.
الارهاب العالمي: تعريف، ومفهوم
الارهاب: Terrorism لفظ ارهاب مشتق من الفعل اللاتيني (Terrere)، اي يرهب، والارهاب عملية قد تقوم بها السلطة لتعزيز قبضتها على المجتمع، وقد تقوم به عناصر مناوئة معارضة للحكومة، ترى في الارهاب وسيلة لتحقيق اهدافها الخاصة، او يشكل الارهاب السياسي رصيدا للحركات السياسية التي تتخذ العنف طريقا وحيدا الى بلوغ اهدافها.
ويستهدف الارهاب احداث تغيير في سياسة الحكومة التي تعتبر الضحية مهمة بالنسبة لها، وقد يكون الارهابيون افرادا، ولكن يغلب ان يمارس الارهاب من قبل منظمات او حتى حكومات، وحينما تتورط حكومة ما في عملية ارهابية فانها تبغي من وراء ذلك احداث تحول في سلوك الحكومات الاخرى.
تصاعدت اعمال الارهاب واتسع نطاقها في العصر الحالي مع ازدياد المشاكل السياسية وتعقدها، ومع التطور المطرد في تكنولوجيا العنف.
والعنف السياسي: عمل يقوم به فرد، او مجموعة، او حكومة، ويلحق ضررا بالافراد او الجماعات البشرية، وتحركه اغراض سياسية وتتضمن اساليب العنف السياسي: الاغتيال، والمذابح، والتعذيب، وتدمير الممتلكات، والاعتقال والارهاب والثورات، ويلجأ الافراد او المجموعات للعنف السياسي بغرض التأثير او السيطرة على الحكم، بينما تلجأ اليه الحكومات للاحتفاظ بسيطرتها على مقاليد الامور.
الارهاب الدولي: هو اصطلاح ذاع صيته في السنوات الاخيرة، ويقصد به اشكال العنف المختلفة التي يلجأ اليها الافراد او الجماعات او الدول من اجل تحقيق اهداف معينة، كالمطالبة بفدية مالية معينة - كما يفعل القراصنة الصوماليون حاليا في خليج عدن والمحيط الهندي - او اطلاق سراح بعض المعتقلين، او كجزء من النضال ضد من يعتبره القائم بالارهاب عدوا له.
ومن أمثلة الاعمال الارهابية: خطف الطائرات، واحتجاز الرهائن، واعمال التخريب والتفجير، وخطف الشخصيات العامة والسياسية منها خاصة او اغتيالها.. الخ. وقد اصبح الارهاب الدولي في الوقت الحاضر بمثابة الظاهرة التي تجد انصارا لها من بين ذوي الاتجاهات السياسية اليسارية، وذوي الاتجاهات اليمينية المتطرفة سواء بسواء الالوية الحمراء في اليابان، جماعة العمل المباشر في فرنسا، وجماعة النازييين الجدد في الولايات المتحدة.
عوامل الارهاب
دلت خبرة الصراع مع المنظمات الارهابية وخاصة في منطقة الشرق الاوسط، وشرقي آسيا. على وجود عوامل لها تأثير مباشر على دوافع المنظمة الارهابية لارتكاب اعمال الارهاب او الاحجام عنها حيث أمكن للباحثين تقسيم هذه العوامل الى اربع مجموعات هي:
١ - المجموعة الاولى: الضغوطات التي تمارس على المنظمة الارهابية: وتتضمن هذه المجموعة من العوامل، كل الضغوطات التي تؤدي الى التغلب على تلك المنظمة وهي:
أ - الضغط الصادر من السكان الداعمين للمنظمة، اي من اولئك الذين يفترض ان المنظمة الارهابية تمثلهم، فمن المحتمل ان يمتلك هؤلاء، القدرة التأثيرية في اتجاهين متضادين: دعم الهجمات الارهابية في وقت الحاجة اليها عند سؤالهم او الطلب منهم وكخيار آخر. مقاومة تنفيذ الهجمات في الوقت ذاته او الحيلولة دونها، ومثال ذلك قوات الصحوة التي شُكلت في العراق، وباكستان، واخيرا في اليمن.
ب - الضغوطات الداخلية بما فيها تلك الناتجة عن العلاقات الشخصية ضمن المنظمة اي وجود تيارات ايديولجية متنوعة، وآراء مختلفة متعلقة بغايات المنظمة الاستراتيجية وباهدافها التكتيكية، والجدال المتعلق بتأثير اتخاذ بعض الخطوات السياسية او العسكرية. فالتنافس والمماحكات الشخصية بين العناصر الرئيسية في المنظمة قد يقود الى احداث اثر بالغ في مجالات الهجوم وطبيعتها في منظمات عديدة.
ج - الضغوطات بين المنظمات تحدث مثل هذه الضغوطات بوصفها نتيجة مباشرة للتنافس والمشاحنات بين منظمات متعددة تعمل بالتوازي ضمن بيئة السكان الداعمين اذ تتنافس هذه المنظمات التي تدعي كل منها انها تمثل هؤلاء السكان، غالبا من اجل الحصول على دعمهم المتنوع، وكذلك على دعم رأيهم العام.
المجموعة الثانية
اعمال الدولة التي تكافح الارهاب
وتتضمن هذه المجموعة الثانية من المؤثرات على طبيعة انشطة العنف التي تمارسها المنظمة الارهابية، تلك المؤثرات المبنية على اعمال الدولة التي تكافح الارهاب، او الناتجة عنها بوصفها ثمرة لها. وقد تكون هذه التأثيرات مباشرة ومالية، اي في الحال، او غير مباشرة وآجلة ومن ضمن هذه الضغوطات ما يلي:
آ - مجال وطبيعة الاعمال الدفاعية والهجومية التي تستعملها الدولة ضد المنظمات الارهابية، اي مدى وتكرار او استمرارية اجراءات الهجوم وعملياتها، والدرجة التي تحدد بنية المنظمة التحتية، بالاضافة الى تنامي الحافز للانتقام او الثأر الذي قد يكون نتيجة لذلك النشاط او المنعكس عنها.
ب - نشاط الدولة التي تكافح الارهاب، وذلك من خلال اجراء مفاوضات تكتيكية او استراتيجية مع المنظمة الارهابية ومدى استعداد الدولة لان تقدم تنازلات نحو المنظمة بسيطة او جوهرية ومن حين الى اخر.
ج - موقف الدولة تجاه السكان الداعمين للمنظمة. ومنها الاعمال الانسانية الموجهة لمساعدة اولئك السكان. فمن المحتمل ان لهذه العوامل تأثيراتها على تحديد موقف السكان، اما بدعم المنظمة الارهابية، وتحديد رغبتهم في الاسهام باعمالها.
د - تصريحات القادة السياسيين العامة ورؤساء المنظومة الامنية، فقد تكون هذه التصريحات، تحديا للمنظمة الارهابية، او تغلب عليها صفة الاعتدال كما تعدها المنظمة على انها صفة ضعف وتراخ تميل الى قرب الجنوح الى السلم.
ه - مدى امكانية الدولة في تشكيل قوة ردع ضد المنظمة الارهابية، كما تفعل - الان - قيادة حلف الاطلسي والقيادة الاميركية مع افغانستان في اجتثاث مفارز وعناصر حركة طالبان والقاعدة من الجنوب الافغاني.
المجموعة الثالثة
البواعث العاطفية المتهورة
تتضمن مجموعة من المؤثرات هي الحوافز غير الواعية. والمبنية على عواطف ومشاعر قادة المنظمة النشطاء، ومن يدعمهم، وقد يتضمن هذا العنف ايضا، الاثار الناجمة عن حافز الانتقام، اي الرغبة في الثأر عقب كل عمل هجومي مؤثر ضد المنظمة، وقد يكون هناك حافز آخر ناتج عن الشعور بالغبن والاهانة لاسباب وطنية او اجتماعية، او في ضوء الصعوبات الشخصية العائلية.
المجموعة الرابعة
تواريخ الذكرى الموسمية"السنوية
ان الحوافز التي يمكن ان تؤثر على مجال وطبيعة الارهاب او توجه اعماله، فهو استثمار التواريخ الموسمية او الدينية، فبعض المنظمات تتوخى تنشيط الاعمال الهجومية في اوقات محددة من اجل ان تجسدها او تدونها بوصفها حدثا تاريخيا، وذلك مثل استغلال الاعياد الدينية او الوطنية المهمة في ماضي المنظمة مثل: يوم تأسيس المنظمة او ذكرى او اختيار قائدها، اضافة الى المناسبات الدينية او الوطنية كعيد الاستقلال، او اليوم الوطني للدولة المحتلة.
وهنا لا بد من التنويه ان هذه العوامل الايجابية او السلبية التي ذكرت آنفا، قد تناسب المنظمات الارهابية التي تسعى لتحقيق مكاسب مادية، او تعمل لحساب دولة اخرى، ولكنها تتفاوت من حيث التأثير بين المنظمات الارهابية التقليدية، ومنظمات المقاومة التي تسعى لطرد المحتل وتحرير اجزاء الوطن من نير الاحتلال الاجنبي. وتناضل في سبيل تحقيق اهداف استراتيجية او تكتيكية عادلة اي مشروعة من وجهة نظر القانون الدولي العام وتفرعاته المتعددة.
الحرب غير المتوازية
١ - الحرب غير المتوازية: في خلاصة موجزة لتقدير الموقف الذي وقعه "ويليام كوهين" وزير الدفاع الاميركي السابق في الادارة السابقة، واقره رئيسها "بيل كلينتون" على هيئة توجيه رئاسي، ثم راجعه "دونالد رامسفيلد" وزير الدفاع اللاحق في ادارة "جورج بوش الابن" على هيئة توجيه رئاسي ملزم، فان المخاطر المحتملة على الولايات المتحدة وامنها ومصالحها لها مصادر محددة ومعروفة:
"دول مارقة" وعت درس حرب الخليج الثانية واصبح جهدها منصبا على العثور على نقاط ضعف اميركية، تستطيع ان تنفذ منها وتستغل وتضرب.
"دول صديقة" وهنت قوتها حتى اوشكت على الافلاس، مما يعرضها الى السقوط، مع ان الولايات المتحدة لا تسمح بهذا السقوط، فهي في الوقت نفسه لا ترى وسيلة للمساعدة على منعه.
"ارهاب" وصل الى مرحلة العولمة في وقت وصول مجتمعات الدول الى "مرحلة العولمة".
لم تكن هيئة التقديرات في البنتاغون وحدها التي وصفت الاخطار الجديدة وسمتها "الحرب غير المتوازية" بل تابعتها هيئة اركان حرب القوات الاميركية ورئيسها الجنرال "هنري شيلتون" الذي قدم تقريراً تحدث فيه عن شكل الخطر القادم، حيث بدا وكأنه يشير صراحة وقبلها بسنتين الى صواعق النار والدمار التي نزلت على نيويورك وواشنطن يوم الثلاثاء ١١ ايلول عام ٢٠٠١.
فقد قال تقرير رئاسة اركان حرب القوات الاميركة وبتوقيع الجنرال "شيلتون" وهو يحاول تعريف الحرب "غير المتوازية" ما يلي في الصفحة الثانية منه: "الحرب غير المتوازية" هي محاولة طرف عادي الولايات المتحدة ان يلتف من حولها قوتها ويستغل نقاط ضعفها معتمداً في ذلك على وسائل تختلف بطريقة كاملة عن نوع العمليات التي يمكن توقعها، وعدم التوازي يعني ان يستعمل العدو طاقة الحرب النفسية وما يصاحبها من شحنات الصدمة والعجز لكي يتنوع في يده زمام المبادرة وحرية الحركة والارادة، وبأسلوب يستخدم وسائل مستحدثة، وتكتكات غير تقليدية وأسلحة وتكنولوجيات جرى التواصل اليها بالتفكير في غير المتوقع وغير المعقول، ثم تطبيقه على كل مستويات الحرب، من الاستراتيجية الى التخطيط، الى العمليات بعرض افق عليها بدائل طار اليها خيال لا يخطر على البال مطلقاً ولا يطرح نفسه عملياً في التقديرات التي نستطيع تصورها".
وكان كل ما توقعه رئيس هيئة اركان الحرب المشتركة للقوات الأميركية المسلحة الجنرال "هنري شيلتون" هو بالضبط وما وقع يوم ١١ ايلول الأخير، عام ٢٠٠١ وفي اثر ذلك وقعت حرب افغانستان في عام ٢٠٠٢، وانسحبت طالبان ومعها عناصر القاعدة الى شرقي البلاد، وقاتلوا كحرب عصابات في جبال "تورا بورا" ولا زالت هذه حرب مستعرة حتى الآن. بين كر وفر، في كل من افغانستان وباكستان. ولم يستطع - حتى الآن - الاميركان وقوات حلف "ناتو" السيطرة على كل الاراضي الافغانية. ولم يستطع الجيش الباكستاني - أيضاً - من السيطرة على مناطق القبائل بين هذين البلدين.
٢ - اساليب قتال حرب العصابات
حرب العصابات - بصورة عامة - تقنية عسكرية - سياسية من تقنيات الحرب الثورية يستخدمها الطرف الاضعف مادياً للتغلب على خصم قوي، عندما يجد ان المجابهة النظامية ليست في مصلحته، وان انتصاره على الخصم او التأثير عليه. يتطلب اللجوء الى: الحيطة والخداع، والمرونة والحركية، ومناعة الارض، والعمل السياسي وتعاون السكان ومعرفة مسرح العمليات بشكل جيد. ولا تعتبر حرب العصابات شكلاً مستقلاً من اشكال الحروب، ولكنها خطوة من خطوات الكفاح المسلح ضمن اطار الحرب الثورية.
وتعتبر حرب العصابات من الناحية الاستراتيجية جزءاً مكملاً لحرب الحركة او الحرب النظامية ضمن اطار الحرب الثورية. وتتركز استراتيجية حرب العصابات وهي في جوهرها استراتيجية دفاعية ذات طابع هجومي على النقاط التالية:
١ - انهاك العدو بضربات مستمرة وطويلة وخزات الابر.
٢ - الصراع بأسلوب الضعيف ضد القوي.
٣ - العمل وراء خطوط العدو.
٤ - اقامة القواعد الآمنة.
٥ - توسيع مناطق الحرب باستمرار لاجبار العدو على التبعثر وجعله ضعيفاً في كل مكان.
٦ - عدم التمسك بالأرض.
٧ - الحفاظ على القوة الذاتية وتنميتها.
٨ - تحطيم قوة العدو مادياً ومعنوياً.
٩ - تأمين التنسيق بين عمل العصابات وعمل القوات النظامية او شبه النظامية التي تشن حرب الحركة.
١٠ - الاستمرار في الضرب في الزمان والمكان لخلق حالة انعدام الامن.
١١ - التلاحم مع السكان.
١٢ - التحول بالتدريج من حرب عصابات الى حرب حركة.
ويتطلب تنفيذ هذه الاستراتيجية الشروط التالية:
١ - الاحتفاظ بالمبادرة.
٢ - تطبيق اليقظة الثورية.
٣ - اقامة القواعد الآمنة.
٤ - ادارة العمليات بحيث تكمل عمليات القوات النظامية او شبه النظامية.
٥ - تفهم العلاقة بين الهجوم والدفاع.
٦ - تطوير العمليات المتحركة.
٧ - القيادة السليمة.
٨ - طرح الفكرة السياسية التي تستقطب السكان.
تكتيك حرب العصابات
على الرغم من ان استراتيجية حرب بالعصابات استراتيجية دفاعية، فان تكتيك هذه الحرب تكتيك هجومي ورغم اختلال ميزان القوى ضد مصلحة قوات العصابات على المستوى الاستراتيجي، فانها تسعى الى تأمين التفوق على المستوى التكتيكي. ولتحقيق ذلك تطبق العصابات تكتيكات هجومية الطابع: كالاغارات، والدوريات، والهجمات على المواقع المنعزلة، والكمائن والاغتيالات. وحرب الألغام والمتفجرات وقصف المواقع الحساسة بوحدات قصف متحركة، والحرب السرية.
ولا تستطيع العصابات تنفيذ مهامها التكتيكية وتحقيق التفوق التكتيكي رغم عدم التفوق الاستراتيجي، الا اذا لجأت الى الافادة من الديناميكية، وسرعة الحركة والعمل ليلاً، وتجنب الاشتباك في الظروف غير الملائمة، والخداع. والانتشار مثل العملية والتجمع خلالها ثم الانتشار بعدها، والمباغتة، والافادة من المعلومات الصحيحة عن العدو، والافادة من معرفة الارض، والاعتماد على الشجاعة والبداهة والروح المعنوية العالية، وحسن اختيار الاهداف الحساسة التي يؤدي ضربها الى التأثير على مكامن حساسية العدو قوته البشرية، او خطوط مواصلاته، او مستودعات تموينه، وطرق قوافله، الخ واتقان عمليات الانسحاب والاختباء والذوبان بين السكان.
ان أقرب مثال حي وواقعي يجري على الارض في عام ٢٠١٠ هي العملية الواسعة النطاق التي تشنها القوات الاميركية والبريطانية حالياً على جنوب افغانستان. فان وتيرة الهجوم لتلك القوات المتعددة الجنسيات المدعومة بالدبابات والمدفعية، والطائرات والصواريخ ووسائل الحرب الحديثة، كانت بطيئة جداً بالمقاييس العصرية، لأن مفارز ووحدات قوات طالبان والقاعدة، قاتلتها بشراسة وعنف مستخدة حرب العصابات وأوقعت في القوات القائمة بالهجوم خسائر فادحة بالرجال والعتاد. اضافة الى حرب الألغام التي زرعتها في محاور هجوم القوات الاميركية.
وهذا ما دارت رحاه ايضاً في العدوان الاسرائىلي على لبنان عام ٢٠٠٦ والصمود البطولي التي ابدته المقاومة اللبنانية في الجنوب فاندحر العدوان يجر اذيال الهزيمة والعار. رغم الاستخدام الكثيف للطيران المعادي على بيروت والمناطق اللبنانية الاخرى. ومثال آخر كيف تصدت المقاومة الفلسطينية للعدوان الاسرائىلي على قطاع غزة في اواخر عام ٢٠٠٨ واوائل العام ٢٠٠٩ ومنعت العدو من تحقيق اهدافه الموضوعة لذلك العدوان الشرس. كل ذلك يدعونا ان نلقي الضوء على الارهاب الاسرائىلي المستمر.
الارهاب الاسرائيلي
واجه الفلسطينيون ارهاباً مستمراً في اسرائىل منذ العام ١٩٤٨ فقد أُزيلت مئات القرى وفي كل ما تملكه هذه الكلمة من معنى مُسحت عن الخريطة وقُصفت مئات آلاف البيوت او جُرفت بالبلدوزرات او نُسفت بالديناميت خلال ايام السلم، وعشرات آلاف الرجال والنساء والاطفال قتلوا وشُلوا وبترت اوصالهم وشوهوا وسُجن مئات الآلاف و"او تعرضوا للتعذيب.
وفي ملاحقة المقاومة الفلسطينية للاحتلال الاسرائىلي لم تخجل اسرائيل ابدا من قصف مخيمات اللاجئين المكتظة بالنساء والاطفال. وقد استخدمت دباباتها وحواماتها وحتى طائراتها المقاتلة لرمي القنابل او اطلاق الصواريخ الى قلب الضواحي السكنية الفلسطينية ومخيماتهم المزدحمة بالنساء والاطفال، وتلك الاسلحة لا تستطيع ان تميّز بين ارهابي مفترض وفتاة صغيرة بعمر ثماني سنوات ومثل هذا السلاح يقتل الاطفال، كما يقتل اعداء الدولة اليهودية بالتأكيد.
وهاجمت مدفعية الدبابات الاسرائيلية وصواريخها وقنابلها بيوت الفلسطينيين وعائلات المشتبه بهم بان لهم نشاطات معادية لاحتلال الضفة الغربية وغزة. وبعد ان يقتل الجيش الاسرائىلي المشتبه به او يسجنه يهدم بيت اسرته بالبلدوزرات او ينسفه بالديناميت، وقد دمرت عشرات آلاف البيوت العربية بهذه الطريقة.
وقتلت اسرائىل مئات القادة الفلسطينيين بالاغتيال او الهجمات الارهابية ايضا، وغالبا ما تقتل تلك الهجمات ابرياء بالقرب منها، وكثيرون من هؤلاء الذين اغتيلوا لم يكونوا مرتبطين باي ارهاب او عنف من اي نوع، لقد كانوا ببساطة شعراء او كتاب او رجال دين بعثت كلماتهم في ابناء وطنهم الرغبة بالحرية. حيث ان وزير الدفاع الاسرائىلي الحالي "ايهود باراك" كان قد قاد فرقة الموت الخاصة الاسرائىلية الى بيروت عام ١٩٧٢، حيث قتل هو شخصيا الكاتب الفلسطيني كمال عدوان في منتصف الليل باستخدام اسلحته النصف الآلية الكاتمة للصوت، وعندما انتخب فيما بعد رئيسا للوزراء جاء "ايهود باراك" الى نيويورك وواشنطن، وقد عاملت الصحافة التي يسيطر عليها اليهود هذا القاتل كبطل فاتح.
ويبدو انه لا توجد نهاية للمعايير المزدوجة عندما اغتال الفلسطينيون وزير الحكومة رشا فام زئيفي في تشرين الاول عام ٢٠٠١ شجب شارون وبعض المسؤولين الاميركيين ذلك كعمل ارهابي. واذا كان قتل زئيفي عملا ارهابيا حقا، فماذا يجب ان نسمي الاغتيالات الاسرائىلية على مدى سنوات لمئات الشخصيات الفلسطينية السياسية والفلاسفة ورجال الدين والشعراء؟
لماذا لا تشير الصحافة الى ان زئيفي نفسه هو مؤيد للنزعة الفوقية اليهودية والذي وصف الفلسطينيين الذين يعيشون ويعملون بشكل غير قانوني في اسرائىل انهم "قمل" و"سرطان وسطنا" لقد كان واضحا ان زئيفي يهودي متطرف مؤيد للنزعة الفوقية والارهاب. دافع عن طرد الفلسطينيين من الاراضي المحتلة بالقوة واغتيال كل هؤلاء الذين يعارضون الاحتلال الاسرائىلي، حتى انه دعا - يومئذ - علنا الى اغتيال عرفات.
ومع ذلك فالصحافة نفسها وصفت اغتيال "زئيفي" بانه "ارهاب" لم تصف ابدا موقف زئيفي المؤيد للاغتيال ارهابيا او يهوديا مؤيدا للنزعة الفوقية. وكان اغتيال زئيفي نفسه رد فعل مباشر على اغتيال اسرائيلي لاحد القادة الفلسطينيين قبل اسابيع قليلة. لقد خضع الرأي العام لهذا النوع من معاملة وسائل الاعلام المصحح والمصحف لاسرائيل لسنوات، ولا عجب في ان فئة قليلة فقط من البريتون والاميركيين هم الواعون تماما لسجل اسرائىل الارهابي، ولهذا السبب - كما يقول الباحث "ديفيد بروك" الاميركي، انا ألوم معظم الاميركيين لجهلهم الارهاب الاسرائىلي.
كانت هذه الاعمال الارهابية التي تمارسها حكومة الكيان الصهيوني وجيشها واجهزة الأمن فيها منذ تأسيسها في اواخر الاربعينات من القرن الماضي، فماذا نقول عن الجرائم الارهابية التي ارتكبت في عهد "اولمرت" و"نتنياهو" الحالية. ضد الشعب العربي في لبنان عام ٢٠٠٦ وفي قطاع غزة عام ٢٠٠٩ - ٢٠١٠، وكان آخرها اغتيال احد قادة احماس خنقا في احد فنادق مدينة دبي الاماراتية.
خاتمة
يقول استاذنا الباحث الجليل بسام العسلي في مقال عن انحرافات الحرب على الارهاب كانت نشرته مجلة "الدفاع العربي" مارس عام ٢٠٠٨، ما فحواه: "ارتبطت الحرب على الارهاب باعلان حرب من نوع مميز وخاص، حيث استمر التحريض على الاسلام واهله بتعابير واضحة احيانا وبمصطلحات وشارات رمزية وايمائية ولكنها واضحة. اضافة الى اساليب معروفة وغير محددة من التحريض السري والضمني، ولم تفلح محاولات الشعوب والهيئات الاسلامية وقياداتها في الحد من هذه الظاهرة والمدمرة للعلاقات السليمة بين الامم والشعوب...". والحقيقة ان ربط الارهاب بالاسلام هو فرية مختلقة وكذبة قديمة غرضها التحريض ضد الاسلام واهله. بل انها تسعى الى اثارة النعرات الدينية المتطرفة بقصد تشويه صورة الاسلام لدى المجتمعات الاخرى، والنيل من مبادئه السمحة واهدافه الانسانية النبيلة. مما يحدو بالعرب مسلميهم ومسيحييهم الانتباه الى هذا الدس الرخيص، وتفويت الفرصة على المغرضين والموتورين والحاقدين.