يمكن اعتبار احداث يوم 29 ايلول"سبتمبر 2009 من الاحداث المثيرة على خط مسار العلاقات الاميركية السورية. ففي هذا اليوم المشهود، وبناء على دعوة اميركية، كان نائب وزير الخارجية السورية الدكتور فيصل المقداد يلتقي في واشنطن نائب وزيرة الخارجية الاميركية جاكوب لو بحضور مساعد الوزيرة لشؤون الشرق الأوسط جيفري فيلتمان حيث جرى البحث في القضايا الثنانئية وسبل تطويرها، والموضوعات الاقليمية ذات الاهتمام المشترك وتبع ذلك وفقاً لما ذكرته وكالات الانباء اجتماع موسع حضره ممثلون عن عدد من الوزارات والجهات الحكومية الاميركي وتم بحث ملفات العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل معالجتها، وتبع ذلك لقاء الدكتور مقداد مجموعة من قادة الكونغرس الاميركي ضمت رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس هاورد بيرمان وعضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ تيد كوفمان وكانت هذه المرة الاولى التي يتم فيها مثل هذا اللقاء لبحث مثل هذه الامور منذ وقت طويل وشكل هذا الحدث نقطة انطلاق جديدة في العلاقات بين البلدين.
1 - ديبلوماسية رزمة الملفات
تضمنت المقدمة مجموعة من النقاط التي لا بد من التوقف عندها في مجال البحث ولعل من اكثرها اهمية النقطتان التاليتان: "اولاهما القول التالي: حيث جرى البحث في القضايا الثنائية وسبل تطويرها، والموضوعات الاقليمية ذات الاهتمام المشترك، واما المقولة الثانية فهي: "وتم بحث ملفات العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل معالجتها. وبذلك يكون قاموس اللغة الديبلوماسية قد اكتسب مصطلحاً جديداً وهو رزمة الملفات في مجال العلاقات الدولية. فالعلاقات الثنائية بين الدول والشعوب، سواء كانت متجاورة او كانت متباعدة، جغرافياً، هي علاقات لا بد وان تكون خاضعة ومقترنة بالعلاقات الدولية وهو ما تم التعبير عنه بكلمات: "الموضوعات الاقليمية ذات الاهتمام المشترك". وهو ما يتم التعبير احياناً بكلمات: "الموضوعات ذات العلاقة بالسياسات الدولية او المصالح العليا". ففي مجال العمل لبناء النظام العالمي الجديد لا بد من تنسيق الجهود الدولية والاقليمية بهدف الوصول الى التماثل والتقارب والابتعاد عن التنافر والتباعد، وقد تجد بعض الدول ان لها مصالح خاصة او اهدافاً مميزة، سواء كانت هذه المصالح ذات قيمة ثابتة مثل الموروث الثقافي والفكري والديني والوضع الاقتصادي والاجتماعي او كان ذو قيمة متعرضة وطارئة مثل مجابهة ازمة من الازمات شخصية كانت او عامة. فتبدأ المواقف مرحلة الصدام ويتم فتح ملف لهذه الازمة ونموذجها الدرع الصاروخي الاميركي في اوروبا او صواريخ بيونغ يانغ او الملف النووي الايراني وقد تتطور انواع الصدام واشكاله، فتتشكل عندها رزمة الملفات ذات الابعاد الثنائية والدولية.
لقد جاءت مباحثات الدكتور فيصل المقداد في اليوم الثاني لزيارة واشنطن لتبرهن حقيقة ان السياسة السورية كانت تعرف ان رزمة الملفات مواضيع البحث الاميركية السورية قد شكلت تراثاً لا يمكن تجاهله من اجل تطبيع العلاقات بين البلدين في اطار مصالحهما المشتركة، ومن اجل اعادة بناء علاقات جديدة ففي يوم 30 ايلول"سبتمبر 2009 التقى نائب وزير الخارجية السوري في البيت الابيض واشنطن نائب مستشار الرئيس الاميركي لشؤون الامن القومي توم دونلون وبحث معه سبل تعزيز الحوار الجاري بين سوريا والولايات المتحدة الاميركية بهدف تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين اضافة الى عدد من الموضوعات الاقليمية. كذلك، استكمل المقداد محادثاته في وزارة الخارجية الاميركية فالتقى جيفري فيلتمان مساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادنى، حيث استمر البحث في القضايا ذات الاهتمام المشترك. وكان من بين اللقاءات الهامة الاجتماع ونائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الاميركي السي هاستينفر والاجتماع كذلك مستشار نائب الرئيس الاميركي لشؤون الامن القومي براين ماكوين ويشير استعراض اسماء الذين التقاهم نائب وزير الخارجية السوري، واختصاصاتهم الى ان اهتمام الادارة الاميركية يتركز في المباحثات مع سوريا على القضايا الامنية الاقليمية، واهمها الملف النووي الايراني والتدخل السوري والايراني في العراق وملف حزب الله في لبنان وتنظيم حماس في غزة وما يمكن لسوريا ان تقوم به في التعامل مع هذه القضايا وهناك ثمة ملفات اخرى بالتأكيد لا بد من التعرض لها في مجال اعادة النظر في العلاقات السورية - الاميركية، وهنا يمكن تذكر مقولات اميركية طالما تكرر ذكرها عند الحديث عما تريده اميركا من سوريا فكان الجواب الثابت: "ان سوريا تعرف ما تريده الولايات المتحدة الاميركية منها". غير ان سوريا ولأسباب وعوامل متشابكة دولياً واقليمياً ومحلياً لم تكن تملك الاستعداد للدخول في بحث الملفات المتعارضة بين السياسات الاميركية والسياسات السورية. وفي الوقت ذاته لم تكن الادارة الاميركية الفارقة في حرب افغانستان والعراق على استعداد للبحث في تلك الملفات من موقع الضعف، وهذا ما عبر عنه مدير مركز الحوار العربي - الأميركي صبحي غندور في حديث له يوم 30 ايلول"سبتمبر 2009 كان مما تضمنه ما يلي: "تدرك الادارة الاميركية برئاسة باراك أوباما انه لا يمكن تحقيق السلام في منطقة الشرق الاوسط بدون سوريا، ولقد فشلت ادارة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش في اقناع سوريا لتغيير مواقفها. وان الاتصالات التي تتم حالياً بين سوريا والولايات المتحدة ستؤدي الى تحسين العلاقات بين البلدين وستساعد على حل مشاكل المنطقة.
قد يكون من المناسب هذا القول بأن الانفراج في العلاقات الاميركية السورية، والتعامل بايجابية مع رزمة الملفات الخلافية، ليست مستقلة او انها انحراف عن تيار مسيرة الاحداث العالمية. فمنذ مطلع العام 2009 وبداية عهد او ولاية الرئيس الاميركي باراك اوباما، ظهر ان هناك مجموعة كبيرة من رزم الملفات التي لا بد من التعامل معها للقضاء على بؤر التفجر والاضطراب، وللوصول الى عالم اوفر امناً وأفضل ثراء وغنى. وهكذا ففيما كانت المباحثات الاميركية السورية تنطلق مع بداية شهر تشرين الاول"اكتوبر كانت هناك تطورات ذات ابعاد عالمية قد سبقت تلك المباحثات او واكبتها او لحقت بها، ومن ذلك على سبيل المثال، ففي يوم 12 ايلول"سبتمبر 2009 ومع الاعلان عن انطلاقة المفاوضات الايرانية مع اللجنة السداسية الخاصة بالتعامل مع الملف النووي الايراني كان صوت الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد في طهران يعلن ما يلي: "ان رزمة المقترحات التي قدمتها ايران لسفراء الدول اعضاء مجلس الامن والمانيا 5 1 للتفاوض بشأنها، هو ضمان لاستقرار العالم وازدهاره". وجاء رد واشنطن سريعاً، ففي يوم 14 ايلول"سبتمبر اعلن وزير الطاقة الاميركي ستيفن شو ما يلي، "ان الولايات المتحدة الاميركية ستشارك في المحادثات، ويشكل لقاء مندوب اميركا بمندوب ايران خطوة مهمة" وبدأت المفاوضات مع مطلع شهر تشرين الاول - اكتوبر في جنيف - سويسرا. وفي هذه الفترة ذاتها اعلن المتحدث باسم الخارجية الاميركية بي - جي - كراوتي يوم 12 - ايلول - سبتمبر - 2009 ما يلي: "ان واشنطن على استعداد لاجراء مباحثات مباشرة مع كوريا الديمقراطية. وان تكون هذه المباحثات ثنائية اذا كان ذلك سيساعد على تحقيق تقدم في عملية المباحثات السداسية". وجاء رد سيؤول مرحبا ومباركا للخطوة الاميركية. وبعد ذلك ففي يوم 10 تشرين الاول - اكتوبر - 2009 وفي حفل رسمي مهيب حضره وزراء خارجية اميركا وروسيا وفرنسا واوروبا منسق الشؤون السياسية خافيير سولانا وقع وزير خارجية تركيا ونظيره الارمني وثائق تطبيع العلاقات بين البلدين المتجاورين والمتعاديين منذ الحرب العالمية الاولى. اذ من المعروف ان الارمن قاموا بثورة ضد الدولة العثمانية التي كانت تضم في ولاياتها ولاية الارمن. وكانت الدولة العثمانية تخوض الحرب القاسية. فسارعت للقضاء على الثورة وكما حدث في قمع القوات السوفييتية لربيع براغ سنة 1968 وكما تم سحق التمرد في المانيا، وكما سحقت روسيا مدينة غروزني عاصمة الشيشان وشردت شعبه، وكذلك كما تعرضت الجزائر للارهاب الفرنسي فقد كان لزاما تجاوز صراعات الماضي وذكرياتها الاليمة - عبر التعاون لبناء المستقبل المشترك. وكما يحدث في كل مناسبة مماثلة - فان المعارضة لا بد من ان تطل برأسها لتحاول احباط كل تطور يتناقض مع مصالحها واهدافها السياسية.
في مدرسة السياسة الروسية
ما من حاجة للتعرض باسهاب لاقتران عدد من المدارس السياسية في العالم بنهج واسلوب المدرسة السياسية الروسية في التعامل مع السياسات الدولية، وبصورة خاصة مع مدرسة السياسة الاميركية - والاوروبية ايضا في كثير من الاحيان بسبب ما شكلته الحروب العربية - الاسرائيلية من ملفات عجز مجلس الامن عن الاحاطة بها واستيعابها فتركها في محفوظات هيئة الامم المتحدثة. وشكل الفيتو الاميركي بخاصة عقدة ذات مذاق كالعلقم في فم كل انسان عربي ومسلم علاوة على كثير من اصرار العالم الباحثين عن عالم الحق والعدالة وكان من طبيعة الامور ان تتميز العلاقات السورية - الروسية بروابطها الثابتة والقوية تجاه السياسة الاميركية التي لم تقدم للعرب موقفا عادلا يمكن التعرض له او ذكره باستثناء تقديم بعض المساعدات الانسانية لضحايا الحروب الاسرائيلية. وكان احتفاظ اسرائيل للجولان المحتل واحدا من اهم الملفات الشائكة في العلاقات السورية الاميركية. ومما لا ريب فيه ان التحالف الاستراتيجي الروسي - السوري الذي تم توقيعه في العام 1984 قد تطور باستمرار نحو التكامل في الادارة والسيطرة ولم تفعل موسكو في هذا التطور شيئا اكثر من الافادة ومن الاستثمار لانحرافات السياسات الاميركية واخطائها المدمرة في التعامل مع رزمة الملفات السورية. وجاءت الحرب على العراق والتي دمرت حزب البعث العراقي وهددت حزب البعث السوري لتفسح المجال امام سوريا لتمارس الدور الذي يلتقي مع المصالح الروسية والسورية حيث بدأ التحالف الاستراتيجي يأخذ ابعادا جديدة لا سيما بعد ضم ايران لهذا التحالف مما دعم بصورة عادية التحالف الايراني السوري الذي بدأ بدوره مع تفجر الثورة الايرانية الاسلامية سنة 1979 ثم تطور بصورة بطيئة حيث كان الصراع بين التيار القومي الذي تمثله عقيدة حزب البعث وبين التيار المذهبي الذي تمثله ايران عامل اعاقة في البداية، ثم جرى فرضه تحت ثقل التحديات التي هيمنت على المنطقة. ولقد افادت روسيا من هذا التحالف الى ابعد الحدود، فانطلقت بعد مؤتمر بيترسبورغ تموز - يوليو 2006 لتعيد تنظيم كل الاحزاب الشيوعية واليسارية والعلمانية في تيار واحد مناهض للسياسة الغربية الاميركية بصورة خاصة مستفيدة من اعادة تنظيم قواعدها في آسيا الوسطى وفي الشرق الاوسط حيث اصبحت التنظيمات العسكرية في لبنان - حزب الله وفي فلسطين - حماس وفي اليمن - الحوثيين - وفي اقطار عربية وغير عربية الخلايا النائمة كما في السودان والمغرب بمثابة رافعة مشتركة للسياسات الروسية - الايرانية - السورية. وتشكلت بذلك قناعة عالمية وليست عربية فقط ولا اسلامية. بان هذا المعسكر الذي تدعمه الصين ايضا قد يشكل قاعدة الحرب القادمة للعالم وباسنان نووية. ولم تكن لغة الخطاب السياسي لهذا المعسكر قبل بداية عهد اوباما الا نذير شؤم لحرب باتت بواكيرها متوقعة.
انطلق الرئيس الاميركي باراك اوباما لمواجهة هذا الوضع او الامر التواقع مزودا بالمعلومات الدقيقة ذات العلاقة بالملفات السورية - والايرانية ايضا فلقد برهنت الاستخبارات الاميركية بتنظيماتها وفروعها بأنها تعرف عن الاوضاع الروسية والعلاقات الروسية، كمثل ما تعرفه المخابرات الروسية اف. سي - بي وريثة كي - جي بي عن المخابرات الاميركية. ولهذا توجهت ادارة اوباما مباشرة للتعاون مع روسيا الاتحادية. ولما كان الدرع الصاروخي الاميركي المضاد للصواريخ قد احتل موقعا مميزا في الاهتمامات الرسمية الروسية. فقد اعلن اوباما انه سيعمل على عدم اقامة قواعد للدرع على ارض اوروبا ثم أقبع ذلك بتنفيذ قرارة بشأن هذا المشروع. ولم يعد باستطاعة قادة الكريملين الاستمرار في استخدام ورقة ملف الدرع الصاروخي الاميركي. ولكن وكما هو معهود فقد اعلنت موسكو يوم 21 - ايلول - سبتمبر "ترحيبها بالمباراة الاميركية - الا انها تتحفظ على خطة اوباما الجديدة ولذا فهي تعارض اي نظام دفاعي لا تشارك فيه". ولكن وبعد ذلك بايام وفي يوم 26 ايلول - سبتمبر 2009 اعلن الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف من مدينة بتسبرغ الاميركية ما يلي: "استجابة للقرار الشجاع الذي اتخذه الرئيس اوباما بالامتناع عن اقامة قواعد للدرع الصاروخي في بولونيا وتشيكيا فانني سأتخذ قرارا بالغاء نشر صواريخ اس 300 في كالينيغراد والمعروفة باسم صواريخ اسكندر". وتطورت سرعة الاتصالات الروسية - الاميركية - وكان من ابرزها زيارة وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون لموسكو يوم 13 - تشرين الاول - اكتوبر - 2009 واجراء مباحثات تم وصفها بالايجابية من حيث الوصول الى الاتفاق على بنود معاهدة الحد من الاسلحة الاستراتيجية - سولت والاجراءات لمنع الانتشار النووي. مع الاشارة الى عدم موافقة موسكو - مرة اخرى على عدم فرض عقوبات على ايران.
كانت دول الاتحاد الاوروبي وفرنسا بخاصة ترسل ممثليها الديبلوماسيين بكثافة عالية لزيارة دمشق واجراء مباحثات استطلاعية سير في مواضيع الملفات السورية. وكان هناك تأكيد ثابت بان سوريا تعمل على تحقيق السلام العادل والشامل وتحرير الجولان من الاحتلال الاسرائيلي. وكان التشاور مستمرا بين قادة اوروبا - والرئيس الاميركي اوباما ومن ذلك ما اعلن يوم 16 - ايلول - سبتمبر 2009 وجاء فيه: "بحث الرئيس الاميركي باراك اوباما، مع نظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي في اتصال هاتفي عملية السلام في الشرق الاوسط، والبرنامج النووي الايراني والبحث عن الوسائل لبعث روح جديدة في عملية السلام في الشرق الاوسط". وليس من الضروري بعد ذلك البحث عما اذا كان لروسيا تأثير مباشر على انفتاح سوريا على اميركا. او ان حلفاء اوروبا التقليديين هم الذين طالبوا اوباما للاتصال المباشر مع سوريا والبحث في ملفاتها بروح جديدة.
التحولات العالمية
أفادت الديبلوماسية السورية بالتأكيد من الانفتاح العالمي ومناخ الانفراج الدولي الذي هيمن على العالم في العالم 2009 على الرغم من استمرار المنازعات والصراعات والحروب في فلسطين والعراق واليمن ودارفور علاوة على افغانستان وباكستان وكانت اقطار اوروبا وقيادة الاتحاد الاوروبي قد تحركت بسرعة للتعامل مع ملفات المنطقة الملفات السورية بصورة خاصة، واذا كان من الصعب التعرض لكل المواقف والبيانات والاتصالات والمحادثات في مواجهة الاحداث المختلفة ذات العلاقة بسوريا والمنطقة، فانه بالمستطاع التقاط بعض الشواهد وفي طليعتها تلك الصادرة عن فرنسا التي حاولت ممارسة دور الريادة الاوروبية - وربما العالمية ايضا ففي يوم 26 آب اغسطس 2009. واثناء اجتماع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي سفراء بلاده في العالم. القى كلمة جاء فيها: "لقد عملت فرنسا على اقامة علاقات بناءة مع دمشق، وهي على استعداد لتقديم مساعدتها في المفاوضات بين سوريا واسرائيل. اذا رغب الطرفان في ذلك، وان صداقتي لاسرائيل والتي اتمسك بها تحملني على القول انه لا سلام مع مواصلة الاستيطان. وانني اعتزم على عقد قمة جديدة للاتحاد من اجل المتوسط ولكن ذلك رهن بالتقدم بمسألة الاستيطان". وهنا لا بد من تذكر ان تركيا قد بذلت جهداً كبيراً وخلال فترة غير قصيرة، باجراء مباحثات غير مباشرة بين وفدين سوري واسرائيلي وكانت النتيجة تشكل قناعة نقلتها سوريا وتركيا الى العالم، وهي ان "اسرائيل لا تريد السلام وتعمل على احباط كل جهد هدفه الوصول الى سلام عادل وشامل". وبعد ذلك وفي يوم 28 ايلول - سبتمبر 2009 كان رئيس وزراء فرنسا فرانسوا فيون يقوم بزيارة للعاصمة اللبنانية بيروت حيث تحدث فيها بتصريح جاء فيه: "قد يكون من المحال الوصول الى حل لمشكلات منطقة الشرق الاوسط بدون سوريا، والدول الاخرى ذات التأثير في المنطقة، ويمكنها المساهمة في حلها. ولقد حصل تحسن كبير للوضع منذ ان تبنت فرنسا استراتيجية جديدة في الحوار مع كل الاطرف، وهو حوار مستمر وصريح وضروري. وان الوصول الى الحلول هو امر ممكن اذا اخذت به كل الاطراف. وهذا هو اساس السياسية الفرنسية في المنطقة". وفي يوم 29 ايلول -سبتمبر 2009 كان وزير الخارجية السوري السيد وليد المعلم يلتقي نظيره الفرنسي برنار كوشنير الذي صرح بعد الاجتماع ان المباحثات كان هدفها هو "تعزيز العلاقات وعملية السلام، ونحن نقدر جهود سوريا لتحقيق امن واستقرار المنطقة" اما الرئيس ساركوزي فقد صرح بعد تسلمه رسالة الرئيس بشار الاسد من الوزير المعلم: "نحن حريصون على تطوير العلاقات مع سوريا وانا اتابع شخصيا هذا المسار". وكانت هناك اتصالات مماثلة مع المانيا وايطاليا واسبانيا وسواها وكان موضوع الاتحاد من اجل المتوسط هو موضوع رئيس في اهتمامات قادة اوروبا وهو مشروع لا يمكن التعرض له او تحقيقه ما لم يتحقق السلام، ويشكل ذلك عاملا هاما افادت عنه سوريا لطرح ملفاتتها وشكلت بذلك القناعة التي طالما رددها قادة اوروبا في رياراتهم دمشق ولقاءاتهم وهي: "لا سلام بدون سوريا" ولقد انعكست هذه التحولات على صفحة العالم. وواكبتها تحولات مماثلة في الامن العربي فمنذ مؤتمر قمة الكويت في مطلع العام 2009 والتي اعلن فيها ملك المملكة العربية السعودية خادم الحرمين الشريفين عبدالله بن عبد العزيز موقفه من تجاوز الخلافات العربية - العربية، واعادة تقويم العلاقات ودفعها الى مساراتها الصحيحة، بدأت التحركات السياسية العربية في بذل الجهود لتطوير العلاقات مع سوريا. ومما لا ريب فيه ان العلاقات الاميركية - السورية كانت متأثرة بالعلاقات العربية - العربية الى حد بعيد. وكان التحول الاكثر وضوحا هو التفاعل السوري - السعودي في العمل لتصحيح العلاقات العربية، واعادتها الى مساراتها الطبيعية ومن ذلك، استجابة الرئيس السوري بشار الاسد لدعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز للمشاركة في افتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية يوم 23 ايلول - سبتمبر 2009. واجراء محادثات في مواضيع العلاقات الثنائية وتطورات الاوضاع في المنطقة، وهو ما عكس اجواء من الارتياح العربي في سوريا والسعودية بخاصة بحسب ما اكدته استطلاعات اجهزة الاعلام، والذي اعتبر انه استمرار للتعاون لما فيه مصلحة الشعبين الشقيقين والعرب جميعا. وتبع ذلك زيارة قام بها الملك عبدالله الى دمشق يوم 7 تشرين الاول - اكتوبر 2009. والتي كانت تأكيدا لتوافر الارادة لتطوير التعاون والتشاور السعودي - السوري. غير ان البيان الختامي لهذا اللقاء تضمن اشارة واضحة، ركزت عليها القيادة السورية. وضمنتها البيان الختامي وهي "تطوير التعاون الاسلامي مع تركيا وايران" مما اثار التساؤلات حول ما ترغبه سوريا بتشكيل تحالف استراتيجي مع تركيا مقابلا او موازيا للتحالف السوري - الايراني؟ وهل سيكون ذلك بهدف الانتقاض والالغاء للدور العربي الذي تمثله الجامعة العربية ومثلت القرار العربي الذي تشكل في حرب تشرين - اكتوبر 1973 والذي ضم مصر وسوريا والسعودية، المهم في الامر هو ان انفتاح سوريا على تركيا وعلى السعودية، قد شكل نقطة تحول تتضمن احتمال تشكل جيواستراتيجية جديدة للمنطقة تعمل على تكوين تكتل اقليمي يحيط بالعراق ويضم طهران ودمشق وانقره، ويشكل ثقلا في المعادلات والتوازنات الدولية. فهل يمكن لمثل هذا التكتل اذا ما ظهر للوجود ان يكون تحديا لمشروع وحدة البحر الابيض المتوسط والذي تعمل له اوروبا وفرنسا منها بخاصة والذي وقعت سوريا ميثاقه؟ وما دور مثل هذا التكتل في العلاقات مع القطبين: روسيا واميركا؟ ام ان ذلك كله هو تأكيد لالتزام سوريا بتحالفاتها مع ايران ومع روسيا؟
4 - آفاق التطور
وبعد ذلك! هل هناك ثمة حاجة لمعرفة ما اذا كانت سوريا قد اخترقت الجدار الاميركي بدعم من حلفاء اميركا اوروبا ودول عربية. ام ان الادارة الاميركية قد افادت اصدقائها وحلفائها لاختراق الجدار السوري، ومن اهم هؤلاء الحلفاء والاصدقاء، روسيا واوروبا وتركيا والبلاد العربية. مهما كان عليه الوضع، فالمهم في الامر هو ان هذا الاختراق قد جاء بعد مرحلة صعبة من الصراعات المعلنة وغير المعلنة، والتي لم تكن نتائجها في مصلحة اي من الطرفين السوري والاميركي. مما يظهر ضرورة وضع تلك النتائج السلبية عند البحث في استراتيجية العمل لمستقبل افضل وامثل واكثر فائدة لمصلحة البلدين، اولا، ولما فيه ضمان للامن والسلام والاستقرار في المنطقة العربية. وهنا لا بد من التوقف عند بعض ملامح افاق التطور في حدود المستقبل القريب.
اولا - ان التحالف الروسي مع ايران وسوريا، سيبقى صلبا في مواجهة التحديات ذلك ان روسيا قد شكلت عبر المراحل السابقة شبكات قوية في تكوين الدولتين: غير ان نجاح اميركا في تحقيق السلام بين العرب واسرائيل سيخفف من اعباء الالتزامات في التقانة والتسلح والاقتصاد، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فان ضمان السلام والاستقرار يتطلب نوعا من التهدئة وبناء علاقات السلام وتبادل المصالح، مما سيدعم من تطوير العلاقات مع الدول الكبرى، اميركا واوروبا، ومع البلاد العربية.
ثانيا - ان التحالف الايراني - السوري سيبقى بدوره راسخا لاسباب مذهبية وسياسية وعسكرية واقتصادية. ولقد عملت الحكومة الايرانية على نشر شبكة من المؤسسات الصناعية والاقتصادية وهو ما اتاح لها المجال للتوغل في المجتمع السوري، وقد شكل ذلك عاملا مساعدا لضمان الامن والاستقرار في سوريا وايران معا. ومما لا ريب فيه ان دور سوريا وايران في العراق ولبنان حزب الله وفلسطين تنظيم حماس وفي اليمن الحوثيين والخلايا النائمة في مصر والمغرب وسواهما مما لم يتم الاعلان عنه، قد تطور عبر الحروب والصراعات السياسية والمسلحة. وبالتالي، فان تحقيق السلام سيساهم في الغاء دور الاسلحة الشرعية وغير الشرعية وتنظيماتها، ويمنح الدول في المنطقة فرص بناء دولة الانسان بدلا من التركيز على بناء انسان الدولة او انسان التنظيم، وهذا هو بدقة ما تتطلع اليه الشعوب الكبرى والصغرى على السواء. ذلك ان دولة الانسان هي الدولة التي تهتم بمواطنيها اولا، ومن خلال الانفتاح على المحيط الجغرافي او العالمي بعد ذلك، في حين ان انسان الدولة او التنظيم المسلح هو الفاقد لكل حقوقه، باستثناء حق تنفيذ الاوامر الصادرة عن طريق التسلسل والتي لا بد من تنفيذها بدقة، ومهما كانت النتائج.
ثالثا - ان انفتاح الدول الكبرى، بعضها على بعض، والتخفيف من حدة المنافسة القطبية او الاستقطابية سيضمن امكانات بناء النظام العالمي الجديد على قواعد راسخة وعبر الحوار في دراسة كل القضايا الدولية او الاقليمية. وعندئذ لن تكون هناك حاجة لصراعات القوى السابحة في فضاء اي من الدول القطبية. فتكون طلبات السوق، بحسب التعبير التجاري، هي التي تصنع السياسات الدولية وستساهم الدول الصغرى والتكتلات الاقليمية مثل الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي والاتحاد الافريقي واتحاد دول اميركا اللاتينية ومجموعة شنغهاي وسواها، بدور ايجابي وبناء لا في محيط دول محورية وانما في محيط العالم الواسع.
رابعا - ان سوريا قد خصصت جهدا مميزا لتحصين اوضاعها الداخلية والخارجية. وكان ذلك على حساب المواطن وعلى حساب متطلبات بناء المستقبل. ولا ريب ان نجاح المباحثات الاميركية - السورية وتسوية الملفات بصورة ايجابية، سيسمح لسوريا باعادة النظر في سياساتها الداخلية والخارجية، بما يتناسب مع التطورات العالمية المتسارعة، ومن المؤكد ان التجارب العربية، الناجحة والفاشلة، قد شكلت نهجا واضحا للتحرك على محاور قادرة بمرونتها وقوتها في آن واحد. على وضع الوطن العربي، بكل اقطاره، في موقعة الصحيح من العالم. ولعل مجرد قراءة عجلى للمذابح التي تقع في دارفور وفلسطين والعراق وباكستان وافغانستان كافية لاستنهاض الهمم والعمل لاعادة بناء كل اقليم عربي ومجموع الوطن العربي، لتجاوز مراحل المعاناة القاسية والانطلاق نحو وطن عربي جديد.
خامسا - ان انتكاسة المباحثات الاميركية - السورية في الملفات السورية ستشكل بالتأكيد خطرا لا تقف نتائجه عند حدود سوريا، وانما قد يتجاوز ذلك ليصل ابعد حدود العالم. فالتهديد بالسلاح النووي لحماية الحلفاء والاصدقاء، لا يعني الا تجاوز عتبة الرعب، وتجاهل مسؤولية دمار العالم... ويعني ذلك بواهة، استبدال ديبلوماسية الذرائعية والابتزاز، بديبلوماسية الواقعية والامتناع عن لغة التهديدات الجوفاء. وبوضوح اكبر، استبدال ثقافة الحرب بثقافة السلام وتشكل اسرائيل في هذا المجال نموذجا رائعا وامثولة تاريخية لمصير دولة الحرب، فاسرائيل، وبفضل الدعم الاميركي والاوروبي غير المحدود، عسكريا وسياسيا قد استطاعت الاحتفاظ باجزاء من الوطن العربي، الجولان وقطاعات من لبنان، علاوة على محاولات اقتطاع اجزاء من الضفة الغربية والقدس. ولكن ها هي اسرائيل تقف اليوم في حالة عزلة شبه كاملة، واصبحت انظار العالم مركزة بانتظار العدالة للقضاء على ظواهر، جرائم الحرب، فهل من دولة او تنظيم مسلح، يفكر في محاكاة النهج الاسرائيلي في سياسة الحروب؟ وبايجاز شديد، ان مناخ الانفتاح في المحادثات الاميركية - السورية ستكون مرتبطة بالتحولات الدولية والاقليمية غير ان الامل بمستقبل افضل قد اصبح متاحا ومتوافرا لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد.