تعرضت دولة باكستان وشعبها منذ فجر استقلالها في العام ١٩٤٧ الى مجموعة من التحديات المتلاحقة، والتي لم يكن اقلها خطرا اقتطاع الهند اقاليم منها كشمير وتفجر ثلاثة حروب هندية - باكستانية كان آخرها حرب انفصال بنغلاديش بتحريض ودعم من الهند سنة ١٩٧٢. مما دفع باكستان الى دخول دائرة سباق التسلح النووي، هذا الى جانب حصار باكستان جغرافيا بدول مجاورة قوية، الهند وايران. ولا ريب ان صمود باكستان في وجه التحديات بعد ذلك، سواء أثناء حرب الجيوش السوفياتية على ارض افغانستان ١٩٧٩ - ١٩٨٩ او عندما اتخذت الولايات المتحدة الاميركية ذريعة من احداث ١١ ايلول"سبتمبر ٢٠٠١ لاجتياح افغانستان في تشرين الاول"اكتوبر ٢٠٠١. ولم يكن من المباغت ان تقع الحرب بكل ثقلها واعبائها على كاهل باكستان شعبا ونظاما، بحيث لم يعد السؤال المطروح هو: ما مصير افغانستان بعد نهاية الحرب التي لا بد من ان تصل نهايتها؟ بل اصبح السؤال المطروح: ما هو مصير باكستان؟ وهل ستؤدي الحرب الى تمزيق باكستان؟
باكستان في مواجهة التحديات
انتهت الحرب الهندية - الباكستانية الاولى باتفاق لوقف اطلاق النار، برعاية الامم المتحدة في كانون الثاني"يناير ١٩٤٩. وحققت الهند احد اهدافها وهو الاستيلاء على قسم من كشمير، تم ضمه الى ولاية جامو. واخضاع قسم ثان للسيطرة الهندية، وترك قسم لباكستان، حمل اسم ازادكشمير، او كشمير الحرة. وكان ذلك التقسيم مخالف للعدالة، فتجددت الحرب في جولة ثانية في العام ١٩٦٥. وقام الاتحاد السوفياتي برعاية مفاوضات عُقدت في عاصمة اوزبكستان - طشقند. ولكن مشكلة كشمير بقيت قائمة. فتجددت الحرب في العام ١٩٧١ وكانت حربا صعبة خسرت فيها باكستان حزامها الشرقي الذي اصبح يعرف باسم - جمهورية بنغلادش. وادى ذلك الى انهيار حكومة الرئيس يحي خان في ٢٠ كانون الاول"ديسمبر ١٩٧١ ليخلفه ذو الفقار علي بوتو. وبقي جرح كشمير وجامو جرحا نازفا، وبقيت قوات الدولتين: الهند وباكستان في حالة حرب اشتباكات متواترة على خط الحدود، حيث يتهم كل طرف الطرف الآخر بالعدوان والاستفزاز. ونموذج ذلك ما اعلن يوم ١٢ ايلول"سبتمبر ٢٠٠٩ عن تبادل الاتهامات بين الهند وباكستان حول التعدي على الحدود، واطلاق صواريخ على الحدود الدولية المشتركة بين البلدين. واذن موضوع تفجيرات ومهاجمة اهداف في الهند وباكستان يصبح متوقعا من قبل عناصر ومنظمات مسلحة يعتقد انها تمتلك القدرة لتغيير الواقع السياسي المحلي والدولي، بقوة السلاح.
ان باكستان، على ما هو معروف مقسمة الى اربعة اقاليم وهي: اقليم البنجات وعاصمته لاهور، واقليم السند وعاصمته كراتشي، واقليم سرحد او المنطقة الحدودية وعاصمته بيشاور، واقليم بلوشيستان وعاصمته كويتا وتقطنه اقلية عرقية هي البلوش ولغتها الشائعة اللغة البلوشية، وتعتبر احدى اللغات الايرانية. وهناك مناطق القبائل حيث تنتشر قبائل افغانية او بشتونية وتقع في شمال غرب باكستان المتاخمة لافغانستان. وهنا يمكن التوقف عند بحث كتبه باحث من باكستان، احمد ناميد تحت عنوان "اضطراب في باكستان بسبب ثروة الطاقة في بلوشيستان" ونشرته مجلة "مؤسسة الدراسات الاستراتيجية، في كلية الحرب الاميركية، كارليسل ص ٧ و٨" عدد نيسان"ابريل ٢٠٠٨ ومما جاء فيه:
بدأت الحركة الوطنية الاستقلالية للبالوش، في جنوب شرق باكستان، منذ العام ١٩٧٠، وشكلت وضعا خطيرا على الحدود الباكستانية - الافغانية، ولكن هذه الحركة تطورت بفضل دعم القوات السوفياتية لها منذ اجتياح القوات الروسية لافغانستان في العام ١٩٧٩، وكان هدف روسيا هو الحصول على قاعدة بحرية في المحيط الهندي، وتحقيق حلم ووصية بطرس الاكبر، وعلى هذا سرعان ما ظهر تجمع خمسة ملايين من البلوش لتشكيل قاعدة تستقطب التجمع القبلي للبلوش وتحظى بدعم دولة كبيرة. ومضى رقع قرن من عمر الزمن على ذلك، وعاد البلوش لاستئناف عملياتهم، واستخدام وسيلة العنف والاكراه بقوة الميليشيات المنظمة والمسلحة للبلوش وللعمل ضد الجيش الباكستاني.
تضمن تقرير امني باكستاني عرض لانشطة تنظيم البلوش في الاقليم الآتي: "وقع حتى ١٩ ايار"مايو ٢٠٠٦ مجموعة هجمات على مواقع انتاج الطاقة في سوي، كما في ديرا - بوغني، كذلك تعرضت مواقع الطاقة هي قيد الانشاء لمثل هذه الهجمات، وهذه المنشآت هي التي تقدم الغاز الطبيعي التي تستخدمه الصناعة الباكستانية في البنجاب وكراتشي. وتم تدمير الانبوبين الرئيسين اللذين يغذيان البنجاب، والاقليم بكامله. وظهر انه من السهل الحاق الضرر بالدولة الباكستانية، عبر تفجير شبكة الانابيب التي تنقل الغاز، والتي يصعب تأمين حراسة لها: بالاضافة الى تهديد خطير بتفجير اهداف اخرى اولها مواقع ومنشآت انتاج الطاقة". وتم في الفترة نفسها حتى ١٩ ايار"مايو ٢٠٠٦ احصاء وتسجيل ٨٤٣ هجوما مع اعمال عنف وشغب وقعت في انحاء متفرقة من بلوشيستان كان منها ٥٤ هجوما على وكالات صغرى و٣١ هجوما على انابيب نقل الغاز و٤١٧ هجوما صاروخيا لضرب اهداف مختلفة، وتفجير ٢٩١ لغما وتنفيذ ٥٠ عملية اختطاف. هذا الى جانب وقوع ١٦٦ حادث عنف في احدى مناطق القبائل، كحلو. كما وقع في المنطقة نفسها ٤٥ تفجيرا بالالغام و١١٠ هجمات صاروخية.
ويمكن على ضوء ما سبق قراءة ما اعلن في طهران يوم ١٨ تشرين الاول"اكتوبر ٢٠٠٩ وتناقلته كل وكالات الانباء العالمية والاقليمية وجاء فيه: "قتل ما لا يقل عن ٤٢ شخصا بينهم نائب القائد العام للقوات البرية في الحرس الثوري الايراني العميد نور علي شوشتري وسبعة من كبار قادة الحرس الثوري، وذلك في تفجير ارهابي نفذه انتحاري كان يرتدي حزاما ناسفا في اجتماع كان يحضره عدد من قادة الحرس الثوري ورؤساء العشائر ومسؤولين محليين في منطقة بيشين سرباز في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرق ايران". ولم يتأخر قائد مجموعة عبد الملك - او المالك ريفي عن الاعتراف بان مجموعته الموصوفة بالارهابية، هي المسؤولة عن تنفيذ العملية. وكان من الواضح ان الصراع المذهبي السني - الشيعي في الاقليم المتاخم لباكستان وافغانستان، كان عاملا في اختيار مكان وزمان تنفيذ العملية، والتي كان من اهدافها ضرب الامن والاستقرار في الاقليم، واحباط جهود التنمية الاقتصادية في الاقاليم، وتوجيه رسالة الى القيادة الايرانية بان ايران ليست منيعة ولا تتمتع بالعصمة ضد الاختراقات الامنية عبر بوابة الصراعات المذهبية.
قد يكون للعملية اهداف اخرى، ولكن الظاهرة المثيرة هي اعلان طهران عن توجه وفد ايراني الى اسلام اباد للمطالبة بتسليم عبد المالك ريفي وآخرين لانزال العقاب بالارهابيين مع اشارة ضمنية بان ايران على استعداد لشن حرب ضد باكستان اذا لم تتوقف اسلام اباد عن حماية الارهابيين ودعمهم ومساعدتهم لتنفيذ علمياتهم.
جاء رد حكومة باكستان يوم ٢٠ تشرين الاول"اكتوبر ٢٠٠٩ بالكلمات التالية: "هناك قوى تعمل على تفجير الصراع بين البلدين الجارين، ايران وباكستان، عبر ممارسة الاستفزازات والصراعات المذهبية ولكن العلاقة بين البلدين هي اقوى من ان تؤثر فيها مثل هذه العمليات".
الظاهرة المثيرة هي ان عملا ارهابيا وقع في اليوم نفسه، ٢٠ تشرين الاول"اكتوبر، حيث اقدم انتحاري على تفجير حزامه الناسف في الجامعة الاسلامية العالمية في اسلام اباد - باكستان، حيث تحتضن الجامعة الطلاب والباحثين من كل ارجاء العالم ومن كل المذاهب، فقتل اربعة اشخاص وجرح ١٣ آخرين، واشارت عمليات استطلاع الرأي، المعهودة الى ان معظم ردود الفعل في الشارع الباكستاني قد تم التعبير عنها في التعليق على هذا الحادث بالقول: "اننا لا نشعر بالامن والامان حتى ونحن في بيوتنا". وهنا يمكن القول: هل تعتبر باكستان راعية الارهاب ام انها ضحية الارهاب؟ وما هي مسؤولية ايران والهند في تصنيع وتشكيل هذا الارهاب؟
عندما يتطاير شرر الحرب
عندما تحترق احدى اشجار الغابة، فلا بد من توقع تطاير الشرر ليحرق اشجار الغابة - وقد تكون الرياح الهوجاء قوية، فتعمل على حمل الشرر المتطاير الى ما وراء الغابة - ومن الامثولات العربية الشائعة مقولة: "ان مستعظم النار من مستصغر الشرر". وان الحرب اولها كلام وبالتالي، فمن المحال اعتبار ان باكستان - والمسلمين في باكستان يتحملون مسؤولية الارهابيين، وانما هو ضرورة الاعتراف بالمسؤولية المشتركة: دوليا واقليميا وقطريا عما تعانيه شعوب افغانستان وباكستان. وما يجاورهما من دول وشعوب.
اصبحت باكستان بحكم هذا الواقع هي الضحية الاولى للارهاب. وللاعمال القتالية الموصوفة بانها "ضد الارهاب" والتي وقعت بكامل ثقلها على كاهل شعوب البلدين وقبائلها ومستضعفيها من غير المقاتلين. ولعل عملية احصاء دقيقة وامينة. تقدم البرهان على ان الحرب ضد الارهاب قد تحولت من صراع على ارض افغانستان بين قوى التحالف و تنظيم طالبان الى حرب اهلية بين قبائل المسلمين بعضهم ضد بعض، وبحيث ان عدد الضحايا في هذه الحرب من الباكستانيين يزيد على اعداد كل ضحايا قوات الغزو او قوات التحالف ولا بد هنا بالتالي من التعرض لنماذج من الامثولات خلال فترة قصيرة من هذه الحرب الشرسة على ارض باكستان. ففي يوم ٢٣ آب - اغسطس - ٢٠٠٩ اعلن وزير الداخلية الباكستاني رحمان مالك ان قوات الامن الباكستانية قد احبطت مخططا لمهاجمة مبنى البرلمان. وانه تم اعتقال ثلاثة اشخاص يرتدون احزمة ناسفة. وان الحرب ضد تنظيم طالبان - باكستان ستستمر دونما توقف... وخلال ذلك - كان الجيش الباكستاني يخوض معركة ضارية ضد طالبان باكستان في وادي سوات شمال غرب باكستان، حيث استطاع الجيش تطهير وادي سوات - وقتل قائد التنظيم السابق بيت الله محسود. ورد تنظيم طالبان باكستان على هزيمته بعملية انتحارية في مدينة مينغورا في وادي سوات حيث قتل ١٤ شرطيا باكستانيا كانوا يقومون بالتدريب.
بعد ذلك وفي يوم ٦ ايلول"سبتمبر ٢٠٠٩ اعلنت قيادة الشرطة الباكستانية ان الارهابيين قاموا باغتيال ثلاثة من رجال الشرطة في بلده حسن ابدال التابعة لاقليم البنجاب على بعد اربعين كيلو مترا الي الغرب من اسلام اباد. وان هؤلاء الثلاثة كانوا يعملون على حراسة الخط الحديدي عند جسر يشكل عقدة مهمة. وتم اغتيالهم رميا بالرصاص في غرفة نومهم. بعد تناولهم طعام السجود. وفي اليوم التالي ٧ ايلول"سبتمبر اعلنت قيادة الجيش الباكستاني ما يلي: "عمل الجيش على نشر الاف الجنود في مقاطعة خيبر شمال غرب البلاد، بالقرب من الحدود مع افغانستان حيث تمر امدادات الجيش الاميركي عبر مقاطعة خيبر. وقد استطاع الجيش وبدعم من المروحيات ونيران المدفعية، تدمير مخبئين، والاستيلاء على ستة ملاجىء كان يستخدمها المسلحون وذلك بعد معارك ضارية قتل خلالها ٣٣ مسلحا من رجال القبائل. كما دمرت قوات الجيش سبع مركبات و ١٥ منزلا يقطنه. افراد من تنظيم شكر الاسلام وقد استمرت هذه المعارك ستة ايام. وجرى تنفيذها في اطار خطة القضاء على تنظيم طالبان باكستان والقاعدة".
ليس من اهداف البحث على كل حال اجراء عرض لمسلسل الحرب اليومية واحصاء الخسائر، اذ ان ذلك قد شكل ملفا ضخما تصعب الاحاطة به، وعلى هذا فلا بد من التوقف عند ابرز الاحداث، واكثرها اهمية، ففي يوم ١٠ ايلول"سبتمبر ٢٠٠٩ اعلن المتحدث باسم الجيش الباكستاني - اللواء اظهر عباس ما يلي: "قامت القوات الباكستانية باعتقال المتحدث باسم حركة طالبان باكستان في وادي سوات وهو مسلم خان بالاضافة الى محمود خان وفضل غفار وعبد الرحمن، وسهر تاج على، وهم من قادة الحركة الميدانيين، مع العلم ان الحكومة كانت قد وضعت مكافأة قدرها ١٢١ مليون دولار مائة وواحد وعشرين مليون دولار لمن يدلي بمعلومات عن الاول والثاني.
من جهة ثانية، كانت الحكومة الهندية قد طلبت الى الحكومة الباكستانية تسليمها زعيم حركة عسكر طيبة وهو حافظ محمد سعيد المتهم بتفجيرات في المدينة الهندية بومباي في كانون الاول" ديسمبر ٢٠٠٨، اسفرت عن قتل ١٨٨ شخصا. واعلنت الهند انها اوقفت محادثات السلام مع باكستان - والتي بدأت في العام ٢٠٠٤ ما لم يتم تسليمها حافظ محمود سعيد لمحاكمته. وفي يوم ٢١ ايلول"سبتمبر ٢٠٠٩ اعين في اسلام اباد ان الشرطة الباكستانية تحقق مع سعيد وانه مقيم في منزله شرق مدينة لاهور تحت حراسة مشددة. وانه من المتوقع لقاء وزير الخارجية الباكستانية شاه محمود قرشي ونظيره الهندي س. م. كريثنا في نيويورك على هامش لقاءات دولية - في الامم المتحدة - للبحث في تحسين العلاقات بين البلدين وفي الاتجاه نفسه. اعلنت اجهزة الاعلام الروسية روسيا اليوم في يوم ٢٢ تشرين الاول"اكتوبر ٢٠٠٩ ما يلي: "قامت باكستان بتسليم ١٨ مقاتلا من تنظيم جندالله الى طهران وهؤلاء ممن وجه اليهم الاتهام بمشاركتهم بالتفجير في ايران وذهب ضحيته ٤٠ رجلا بين قتيل وجريح منهم ٧ من كبار قادة الحرس الثوري واخرين من زعماء القبائل. وكان ذلك برهانا على العلاقة الوثيقة بين طهران واسلام اباد. وهو تأكيد ايضا على تصميم باكستان لمتابعة الحرب ضد الارهاب. ولكن بقي ثمن الحرب بين السلطات الباكستانية والتنظيمات المسلحة على اختلاف اسمائها وتباين اهدافها ثمنا باهظا في الارواح والممتلكات وفي الاستنزاف للاقتصاد علاوة على الاستنزاف المعنوي في حرب جمعاء، ولكن ومع الاقرار بعقمها وصحافتها، فانه ما من سبيل لتجنبها على ما يظهر.
ليست حربا بالوكالة
قد يبدو من المثير حقا ملاحظة انه كلما تصاعد الصراع المسلح بين الجيش وقوات المنظمات الباكستانية، كلما تراجعت حدة الاقتتال على ارض افغانستان بين قوات التحالف وقوات طالبان وانصارها. مما افسح المجال امام كثير من الاجتهادات والتفاسير التي تشير بشكل مباشر او غير مباشر الى ان باكستان اصبحت تخوض حربا عن افغانستان. ومعروف ان هناك ثمة تنظيم للتعاون بين الحكومة الباكستانية والحكومة الاميركية في مجال مكافحة الارهاب وهو ما يتضمن تبادل الدعم العسكري عند الضرورة. ولكن ذلك لا يعني ان باكستان اصبحت تمارس دور البديل عن قوات التحالف لمصلحة دول التحالف وانما تريد باكستان عبر تعاونها تحقيق التوازن في الوضع الخاص للشعب والدولة في باكستان وتأمين الحماية المطلوبة للدفاع عن الذات، والصمود في وجه الاعاصير التي تتهدد باكستان. ولكن هذا التعاون بين باكستان والولايات المتحدة كثيرا ما اصطدم بمعارضته من القيادة الباكستانية ولا سيما عندما تقع انحرافات او اخطاء من شأنها احراج حكومة اسلام اباد من ذلك على سبيل المثال ما اعلن يوم ٢٢ اب"اغسطس ٢٠٠٩ في اسلام اباد كما يلي "افادت مصادر الاستخبارات الباكستانية ان عدد ضحايا الغارة الجوية التي شنتها طائرات اميركية بدون طيار على بلدة باقليم وزيرستان شمال غرب باكستان هو ٢١ قتيلا - بينهم ستة اطفال على الاقل وهذه هي الاغارة الثالثة في اسبوع واحد.
جدير بالذكر ان القوات الاميركية في افغانستان شنت حوالي اربعين هجوما من هذا النوع منذ العام ٢٠٠٨" وكانت باكستان قد اعترضت مرة على هذه الغارات واعتبرتها انتهاكا للسيادة الباكستانية، علاوة على انها تتسبب بسقوط ضحايا من المدنيين الباكستانيين. وتظهر مسيرة الاعمال القتالية وتطوراتها ان الشعب الباكستاني والجيش الباكستاني قد اصبحا واقعين تحت المطرقة الاميركية من جهة والمنظمات المسلحة من جهة مقابلة التي تشكل السندان في محاولة كل طرف لاخضاع باكستان الدولة والجيش لاراداته. ومن امثولات ذلك ما وقع يوم ١٨ ايلول"سبتمبر ٢٠٠٩ حيث اعلن في اسلام اباد ما يلي: "وقع تفجير انتحاري في سيارة مفخخة في سوق شعبي يتوسطه فندق يقع على الطريق الذي يربط كوهات ببلدة هانغو مما تسبب باستشهاد ٣٣ شخصا على الاقل ووقوع اكثر من ٥٠ جريحا، وحدوث اضرار كبيرة في المتاجر والسيارات والممتلكات، وقد جاء هذا العمل الارهابي ردا على وقوع اربعة مسلحين ضحايا قصف جوي لطائرات اميركية بدون طيار. هذا فيما كان الجيش الباكستاني يتابع اعماله القتالية في وادي سوات والتي كان قد بدأها منذ شهر حزيران - يوليو - ٢٠٠٩. وتم خلالها قتل مئات من مقاتلي تنظيم حركة طالبان باكستان. ومن ابرز الاحداث التي وقعت بعد ذلك ما تناقلته وكالات الانباء العالمية يوم ٢٦ ايلول سبتمبر - ٢٠٠٩ - وجاء فيه:
تراجعت موجة الهجمات التي تشنها حركة طالبان باكستان بعد مقتل قائدها بيت الله محسود في ٥ آب "اغسطس ٢٠٠٩. ولكن وفي يوم ٢٦ ايلول"سبتمبر ٢٠٠٩ تم تفجير شاحنتين ملغومتين في مكان انتظار السيارات في بيشاور شمال غرب - باكستان مما ادى الى استشهاد ١٦ شخصاً واصابة ٧١ آخرين بجروح ووقعت اضرار مادية كبيرة. وبعد ساعات من هذا الانفجار قام انتحاري من طالبان باكستان بقيادة سيارة ملغومة واقتحم بها مركزاً للشرطة مما ادى الى قتل ٦ اشخاص واصابة ٢٠ بجروح ومعظهم من رجال الشرطة. ونتيجة لتعاظم الهجمات اعلنت قيادة الجيش الباكستاني يوم ٢٨ ايلول"سبتمبر ٢٠٠٩. انها ستطلق حملة للقضاء على تنظيم طالبان باكستان في المناطق القبلية بأقليم وزيرستان. وقد طلب الجيش الباكستاني الى المواطنين في وزيرستان مغادرة الاقليم حفاظاً على حياتهم.
بينما كان الجيش الباكستاني ينظم هجومه على اقليم وزيرستان. اعلن متحدث باسم الجيش الباكستاني يوم ٣٠ ايلول"سبتمبر ٢٠٠٩ ما يلي: "قامت طائرة اميركية بلا طيار باطلاق صاروخين فقتل ستة اشخاص في اقليم وزيرستان الشمالية على الحدود مع افغانستان، وهذا هو الهجوم الرابع من نوعه خلال الايام الثلاثة الماضية. واعلنت المصادر الاميركية ان هذه العملية كانت تهدف لقتل القائد الجديد لتنظيم طالبان باكستان، ولكن حدث خطأ فلم يقتل القائد حكيم الله محسود بل تم قتل شقيقه و١٦ من المقربين اليه واصيب ١٥ آخرين بجروح.
انعكست نتائج هذه العمليات بزيادة النفور الشعبي الباكستاني، وفي تقرير اميركي يوم ٣ تشرين الاول"اكتوبر ٢٠٠٩ ورد ما يلي: "تهيمن مشاعر التوتر وعدم الثقة على العلاقة بين السكان والقوات العسكرية، والسبب في ذلك هو غياب الوعي الثقافي والفهم الدقيق لدى الاميركيين بطبيعة الحكم القبلي، والتأكيد على الاعمال القتالية بدلاً من تنمية الاقتصاد المحلي والشؤون المدنية الأخرى. واستمر القتال الاهلي على ارض وزيرستان وفي يوم ٨ تشرين الأول"اكتوبر كان الوضع مثيراً للقلق والشفقة، فبينما كانت اشتباكات الجيش وقوات طالبان باكستان، تتزايد عنفاً وضراوة. كان آلاف المواطنين ينزحون عن الاقليم. وفي هذا اليوم وجه وزير الخارجية الباكستاني اشاه محمود قرشي نداء الى الادارة الاميركية جاء فيه: "انني اناشد الادارة الاميركية منح باكستان الثقة ونقل التكنولوجيا العسكرية اليها، وتخفيف القيود بم يسمح بدخول اكبر قدر من بضائعها الى الاسواق الاوروبية والاميركية، وذلك بما يساعد على استقرار الاقتصاد الباكستاني. وان الولايات المتحدة بحاجة لمنح ثقة اكبر بأجهزة الاستخبارات الباكستانية واذا لم يتم ذلك، فيجب على الاميركيين عدم توقع حدوث تعاون معهم، فاما ان يتم منحهم الثقة، واما ان التعاون سيكون ضعيفاً.
ضرورة تطوير العمل السياسي
لقد ابرز نداء رئيس حكومة باكستان شاه محمود قرشي خطورة الوضع الداخليي في باكستان وضرورة التعامل معه، بوسائل اقتصادية وسياسية اكثر منها عسكرية، وتلك نقطة مهمة وخطيرة في الخلاف القديم والمتجدد باستمرار بين الحكومات الباكستانية والادارات الاميركية. فباكستان وهي تخوض حرباً ضارية تحتاج للدعم بكل الوسائل. فالمعروف ان عدد سكان باكستان يقارب ١٦٦ مليون نسمة ينتشرون على مساحة ٣٧ الف كيلو متر مربع تقريباً فهي سادس بلد في العالم من حيث الكثافة السكانية، وهناك ٤٨ بالمئة من السكان يعيشون في حال من البؤس الشديد، اذ لا يتجاوز دخل الفرد منهم دولاراً واحداً في اليوم. وقد تكون هذه الارقام كافية لمعرفة اكبر وأهم عوامل الاضطراب المهيمن على مجتمع الباكستان.
وجاءت الحرب لتضاعف من اعباء الازمة الداخلية في باكستان، ففي يوم ٨ تشرين الاول"اكتوبر ٢٠٠٩ صدر بيان في اسلام اباد جاء فيه: "قتل ٤٩ شخصاً وأصيب ١٥٠ مواطناً بجروح في انفجار سيارة مفخخة في وسط سوق مكتظة بالسكان في مدينة بيشاور اكبر مدن شمال غرب باكستان. وبذلك وصل عدد العمليات التي نفذها تنظيم طالبان باكستان خلال عامين ونصف العام الى ٢٧٥ عملية قتل فيه ٢٢٠٠ شخص.
وفي يوم ١٢ تشرين الاول"اكتوبر اعلن وزير الاعلام في ولاية شانفلا القريبة من وادي سوات الوزيرميان افتخار حسين ما يلي: "وقع تفجير انتحاري هائل استهدف قافلة لقوات شبه عسكرية اثناء مرورها في سوق مزدحم، مما ادى الى استشهاد ٤١ مواطناً واصابة ٤٥ آخر منهم ١٢ بحالة خطرة"، وهذه هي الضربة الخامس التي نفذتها قوات طالبان باكستان خلال عشرة ايام. ويظهر ذلك ثقل الاعباء الاضافية التي تلقيها الحرب الاهلية الباكستانية والتي وضعت باكستان في مقدمة كل الدول التي تخوض حرباً ضد الارهاب.
مع اعتراف اميركا بأن "باكستان هي الحليف الأول لأميركا في حربها ضد الارهاب". فان ما تحصل عليه باكستان من الدعم والمساعدات حتى في الحدود العسكرية هو اقل بكثير مما تحتاجه القوات المسلحة الباكستانية، بحسب البيانات الباكستانية ففي يوم ١٧ تشرين الاول"اكتوبر نقلت وكالة رويترز الاميركية عن مسؤولي وزارة الدفاع ما يلي: "هناك اعتدة عسكرية ومهمات في طريقها الآن الى باكستان، وهي بقيمة ٢٠٠ مليون دولار، وذلك لمساعدة الجيش الذي يخوض حالياً معركة في هجوم كبير على طالبان باكستان، في معاقلهم بإقليم وزير ستان. وتأتي هذه المساعدة العسكرية المباشرة من البنتاغون، بمثابة اضافة الى ما تتلقاه باكستان من المساعدات العسكرية من خلال مشترياتها العادية والتي تشرف عليها وزارة الخارجية الاميركية.
يذكر ان الرئيس باراك اوباما قد وقع تشريعاً يمنح بموجبه باكستان مساعدات غير عسكرية بقيمة ٥، ٧ مليار دولار على مدى خمس سنوات. واعترض الباكستانيون على بعض الشروط التي تضمنها التشريع والتي تمس السيادة الباكستانية.
وبعد ذلك وفي يوم ٢٣ تشرين الاول"اكتوبر ٢٠٠٩، وقع الرئيس الاميركي باراك اوباما مرسوم المساعدات العسكرية لباكستان. واخضع تنفيذ هذا المرسوم لشرطين فقط، هما: اولاً - ان تتخذ كل من وزارة الخارجية ووزارة الدفاع القرار بشأن ان هذه المساعدات هي لمصلحة اميركا. ثانياً - الا تسبب هذه المساعدات اضطراباً واخلالاً بتوازن القوي في المنطقة. واذن، فاذا كانت الولايات المتحدة الاميركية، وهي اكبر قوة في العالم، تقدم مساعداتها، وتمارس سياساتها من خلال مصالحها، فانه يصبح لزاماً عليها في الوقت نفسه ان تضع مصالح باكستان وشعبها وحكومتها في كفة الميزان المقابلة. ومن ناحية اخرى، فهل باكستان هي التي تحتل مركز الثقل والتوازن في الشرق الآسيوي المحيط بها وأولها الصين والهند ثم ايران، بحيث ان تسلحها مهما اكتسب من القدرة والقوة يمكن له التأثير على تسلح الدول المجاورة ام هي الذرائعية التي تحتل مواقعها في كل سياسات الدول الكبرى؟
بإيجاز شديد، وعودة بالبحث الى بداياته حيث يبدو انه من الواضح بأن باكستان تشارك الشعوب العربية والاسلامية متاعبها ومشكلاتها، وتجابه معها التحديات نفسها، من العراق الى لبنان وفلسطين واليمن والسودان واول تلك التحديات، اخطار التقسيم والتفتيت والتمزق وكل ما يحتويه اصطلاح الاحتضار الحضاري، وهذا مما يفرض على كل هذه الاقطار وسواها، من الاقاليم التي لن تكون او ان تبقى معزولة عن هذه الاخطار والتهديدات الاتفاق على سياسات جديدة باتت معروفة لوفرة المبادىء والقواعد التي تعرض لها رجال الفكر السياسي والعسكري والديني والقومي والوطني، والاقتصادي والاجتماعي، وكل من صدق النية واخلص في الاجتهاد فكان من ذلك على سبيل المثال، ضرورة العمل بما يلي:
أولاً - تطوير العمل السياسي بوضع ميثاق ملزم بالامتناع عن التدخل في شؤون الدول المجاورة ووضع حد للتحديات الدينية المذهبية والقومية والعسكرية الاستفزازية، وهو ما كان يسمى بمعاهدات حسن الجوار.
ثانياً - اعادة بناء الجبهات الداخلية في كل اقليم، فكلمة المصالحات الوطنية التي باتت ضرورة حتمية ليست مجرد شعار او تعبير عن حالة ترف فكري وانما هي برنامج عمل متكامل، لاستعادة الثقة الضائعة بين مكونات كل مجتمع من المجتمعات التي دمرتها الحروب ومزقتها صراعات امراء الحروب.
ثالثاً - بدل كل الجهود الممكنة لتطوير برامج التنمية الاقتصادية لما فيه مصلحة الشعوب، والتعاون في ذلك اقليمياً وقارياً ودولياً على نحو ما تفعله الدول الكبرى، التي تضع مصالح شعوبها، قبل كل شيء وبعده.
وأخيراً- وليس آخراً - التعامل مع كل عوامل التمرد والارهاب بعمل سياسي حقيقي يواكب تحرك سياسات كل القوى الباحثة عن الامن والسلام والاستقرار.