قراءة إستراتيجية
المخابرات والحرب على الارهاب ٢
اعداد يوسف صادق

بعدما استعرضنا في الجزء الاول تعريف العمل المخابراتي، سنتطرق في هذا الجزء الى المقاربات والمعالجات لطبيعة هذا العمل في ظل ظهور وتفشي الارهاب على المستوى العالمي بحيث اعيد خلط الاوراق من حيث كيفية الرد، والتنظيم واساليب العمل. وقد تغيرت التسميات والهيكليات بعد ان عمد العديد من الدول الى دمج الاجهزة بعضها بالآخر لتظهير جسم واحد متكامل يمتاز بفعالية اكبر للرد على التحديات اللاتناسقية الجديدة التي تظهر في الحركات الارهابية ونشاطها العابر للحدود الذي بات يشكل تهديدا جديا للدول، على كل المستويات والمقاييس...
وفي ضوء التطورات الراهنة يجدر البحث بالعمق في الاتجاهات التي ينطلق في اتجاهها العمل الامني، ففي حين انه يمكن ان يصنف هذا النشاط تبعا للمصادر التي تجمع المعلومات، لكن التوجيه الجغرافي الذي يقوم عليه يكتسب ايضا اهمية بالغة لفهمه ووصفه.
انطلاقا مما سبق يقسم العمل المخابراتي بحسب الاراضي المستهدفة فهناك المخابرات في الداخل والمخابرات الخارجية التي تنضوي في خانتها، الاعمال المرتبطة بالسياسة، والدبلوماسية، والاقتصاد، والميدان العسكري... اما المخابرات الداخلية فتركز نشاطها على اعمال الاختراق والمراقبة.
تجدر الاشارة الى انه، وخصوصا في اطار الارهاب العابر للدول، وفي العديد من الدول، يختفي شيئا فشيئا هذا التمييز بين المخابرات الداخلية والخارجية لكنه ما زال ملموسا نوعا ما، في تلك الدول، وما انفك التوجيه الجغرافي للمخابرات يميز بين الاجهزة العاملة في هذا المجال.
هناك اذا:

المخابرات الخارجية:

في فرنسا مثلا: المديرية العامة للامن الخارجي DGSE، ومديرية المخابرات العسكرية (DRM) ، مديرية مراقبة الاراضي (DST) والمخابرات العامة (RG) اللذين يشكلان الادارة المركزية للمخابرات الداخلية (DCRI) منذ العام ٢٠٠٨، مديرية الحماية، الامن والدفاع (DPSD) الدرك، الجمارك والشرطة القضائية بشكل غير مباشر. نذكر ايضا الموساد في اسرائيل، ال CIA في الولايات المتحدة الاميركية، ال MI-6 في بريطانيا وجهاز المخابرات الفيدرالي BND (Bundesnachrichtendienst) في المانيا.

المخابرات الداخلية
في فرنسا مثلا: المديرية العامة للمخابرات الداخلية، (Direction Central du Renseignement Interieur (DCRI) السابقة الذكر، مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) في الولايات المتحدة الاميركية، الشين بيت اسرائيل، ال MI-5 في بريطانيا، وال (Bundesant Fr Verfassungsshutz) في المانيا.

اجهزة التنسيق المختلفة
تنظم اجهزة التنسيق الاعمال بين الاجهزة المختلفة ففي فرنسا كانت تتولى هذه المهام ال CIR قبل اصدار الكتاب الابيض عام ٢٠٠٨ وحل محلها المجلس الوطني للمخابرات Conseil National du Renseignement - (CNR) اما في الولايات المتحدة فيقوم بهذا الدور مجلس الامن القومي (National Security Council - NSC)، وفي ايطاليا مديرية المعلومات والامن وفي بريطانيا مجلس المخابرات المشتركة Joint Intelligence Commitee "JIC" واخيرا يمكن ايضا استنباط الاستعلام من طبيعة اعماله. يمكن تقسيم النشاط المخابراتي الى عدة اعمال، تجد مكانها في خانتين الاولى التجسس ذو الطابع الهجومي ومكافحة التجسس مما يحوله ليكون دفاعيا حماية الجيوش والعديد مثلا يقوم في هذا الدور فرع المكافحة في الجيش اللبناني او هجوميا مثل قلب العملاء يقوم بتلك الاعمال افراد يطلق عليهم اسم عميل متسلل، او عميل مزدوج، او عميل محرض بحسب المهمة التي ينفذونها.
- العميل المتسلل هو الجاسوس بالمعنى التقليدي، فهو يتسلل الى الوسط او البيئة ليراقبهما. ويمكنه ان يكون نشطاً، او نائما، اي غير نشط مؤقتاً وبشكل متعمّد لتعزيز تغطيته وأمنه، ويستعمل هذا العميل لإفادة جهاز الوصاية الذي يشغله عن اعمال ونشاطات البيئة الخاضعة لمراقبته. يكون اذا الهدف في هذا المجال، جمع المعلومات.
- العميل المزدوج هو منذ البداية متسلل وقد تم كشفه، وتقضي مقتضيات الوضع عدم توقيفه من اجل استعماله، عوضاً عن محاكمته والحكم عليه. ستكون مهمته ليس إفادة مشغله الجديد فحسب، انما اشاعة معلومات كاذبة عند المشغل القديم دون علمه طبعاً بقصد زعزعته، وخداعه. يكتسب هذا الدور الذي يلعبه هذا النوع من العملاء الذين هم في غالب الاوقات نشطين، اهمية بالغة واستراتيجية. اما الهدف فهو للتشويش بواسطة المعلومات او التضليل.
- اما مُصطلح العميل المُحرِّض فهو للدلالة على عميل متسلل مزروع داخل مجموعة او شبكة الخ، مهمته تجنيد، المؤيدين، توريطهم، وزجهم في عمل يوقع بهم ويحزفهم. قد يكون المثال على ذلك، المسؤول لسنوات عن تجنيد ناشطي الجيش الجمهوري الايرلندي، والذي كان عميلا محرضاً يعمل لصالح MI-5، ومع انه لم يكن يدفعهم مباشرة للقيام بنشاطاتهم، فالفعل البسيط القائم على تجنيدهم كان يمثل في روحيته تشجيعا غير مباشر.
يعتبر العميل المحرض قيما الى اقصى الحدود في اطار الحرب على الارهاب لانه يسمح بمراقبة اعضاء المجموعة الارهابية ورصد الاشخاص القابلين للالتحاق بهم. وعليه ان يكون كامل الموثوقية وان تكون الاجهزة الأمنية جاهزة للتدخل في الوقت المناسب قبل تنفيذ المخطط الاجرامي وبشكل مناسب لتوقيف العناصر الارهابية وتحويلهم الى القضاء المختص.
اما الخانة الثانية فهي الاعمال السرية التي تغطي استخدام منظمة تابعة للدولة متخصصة بالعمل المخابراتي، او زُمَر مؤيدة للنظام مع وسائل خاصة مثل اغتيال اهداف بشرية محددة، وعمليات التدمير، والنسف، والزعزعة الخ...
بعد استعراضنا اشكال العمل المخابراتي الذي لا يتأثر بأي زمان ومكان او وضع، من حيث طبيعة عمله او هدفه، يمكن الآن التبحر في ميزان العمل المخابراتي في مكافحة الارهاب، بحيث يعتبر دعامتها. ولكن رغم اهميته تعتريه بعض نقاط الضعف.
يعد العمل المخابراتي، ركيزة اي آلية لمكافحة الارهاب، لانه يسعى الى الغاء سِمَة المفاجأة التي يعتمد عليها الارهاب ليضرب ويؤذي.
تعود فعالية الارهاب اصلا الى العمل المفاجىء وغير المتوقع اكثر منه في قدرته على التدمير. تعتمد فعاليته على الاعتداء، وقبل اي شيء آخر، على الصدمة التي يحدثها في المجموعة او المجتمع المستهدفين. أبعد من ذلك فان الاضرار المباشرة التي يخلفها العمل الارهابي الضحايا، والتدمير... هي اقل اهمية من التأثير النفسي الذي يولده. كما يستدل من تسميته، فالارهاب يسعى الى ارهاب الناس. وزرع الشك والخوف في صدورهم. كما يعدّ الارهاب ايضا من التهديدات المنتشرة المتعددة الاوجه والانتشار من ابرز صفاته.
يختلف الامر الآن عما كان عليه ابان الحرب الباردة اذ عملت القوى المخابراتية على جمع المعلومات عن عدو معروف ومحدد، فاليوم تواجه القوى تحدياً اساسياً متمثلاً بايجاد الخصم، قبل الحصول على المعلومات عنه واخيراً شن العمليات لمواجهته.
اكثر من ذلك، ليس التهديد متوقعا فحسب، بل هو عابر للدول. ففي الوقت الذي بات الارهاب لا يعرف حدوداً في ما يتعلق بأهدافه او حتى بمراكزه كما اضمحل مفهوم تقديس الارض وبات جمع المعلومات، وخاصة التنسيق بين عمل الاجهزة المعنية داخل الدولة او بين الدول نفسها، ضرورة واولوية ملحّتين، وقد تطورت بشكل واسع بعد انتهاء الحرب الباردة.
في ما يتعلق بمكافحة الارهاب، يعد العمل المخابراتي، وارسال المعلومات العنصر المحوري كما ويهدف الاستعلام الى التعرف على الشبكات وخرقها لمعرفة قدراتها، ودوافعها، والعمليات قيد التحضير بالاضافة الى الاهداف المحتملة.
يعتبر الاستعلام محور اي عملية مكافحة ارهاب أكانت مسلحة ام لا، ولا يمكن لاي عملية قضائية او شرطية ان تشن دون مساعدة الاستعلام الذي يضطلع بمهمة ايجاد هذا العدو غير المرئي.
يتدخل الاستعلام قبل تنفيذ العمل الارهابي، ضمن منطق الوقاية، للسماح للقوى الشرطة ان تفكك العمليات الجاري تحضيرها، او الشبكات الخ...
يواكب الاستعلام ايضا سير العمليات اما لدعم العمل المُسلّح ضد المجموعات، فيلعب هنا دوراً محورياً او تقليديا في دعم اجهزة الشرطة في التحقيقات لمحاكمة الفاعلين.
اما في ما يتعلق بنقاط القوة والضعف التي يتسم بها الاستعلام في اطار مكافحة الارهاب مقارنة بأنواع العمليات الاخرى التي يمكنها ان تشن مثل العمليات الشرطية، العمليات القضائية، والعسكرية الخ... هنا يتركز البحث على نوعي الاستعلام: التقني والبشري.
يتيح الاستعلام التقني، الالتفاف على الاستحالة التامة لخرق شبكات الارهابيين، التي هي هيكليات مغلقة الى أبعد الحدود: لكن هذا النوع من الاستعلام التقني يتطلب عمل وسائل تكنولوجية باهظة الثمن وبالغة الدقة لا يمكن الا لعدد قليل من الدول حول العالم تمويلها. وفي الوقت نفسه يقدم معلومات جامدة زمنيا تجعل من الصعوبة بمكان عملية تقديرها ولا تبلغ بالطبع المجال الغامض الذي يلجأ اليه العديد من الارهابيين. لكن المشكلة الكبرى التي يواجهها الاستعلام التقني متأتية من كمية المعلومات التي هي اليوم اكبر بكثير من قدرات التحليل لاجهزة المخابرات، اذ ان اعداد عمليات الاتصالات تعد يوميا بالملايين وحتى بالمليارات، فوكالة الامن القومي الاميركية وهي جهاز الاستعلام التقني الاكبر في العالم لا يسعها ان تعالج الا ما يتراوح بين ٤ و١٠ في المئة من المعلومات التي تم جمعها. لذا، ولضيق الوقت لم يتم تحليل المعلومات التي كان يمكن ان تكون حاسمة في استباق اعتداءات ١١ ايلول ٢٠٠١ ومنعها، وقد تم تحليلها غداة العملية.
تسمح الوسائل البشرية من جهتها باستباق النيات وتفسير اعمال الخصم، بحسب ما ورد في كتاب جاك بود: Encylopedie du Renseignement et des Services Secrets تعطي الوسائل البشرية تلك معلومات ملموسة، بعكس تلك التي توفرت تقنياً، يمكن وضعها في بيئة شاملة وتامة وبالتالي اتاحة رؤية افضل وتقييما للاوضاع، وذلك خلال الازمات والاشكالات الاقسى تعقيدا وحيث التشتت من سماتها الطاغية.
في اطار الحرب على الارهاب يظهر الاستعلام البشري ملائما مقارنة مع الاستعلام التقني، وبالفعل، عاد العديد من الشبكات الارهابية في السنوات الاخيرة الى استعمال وسائل اتصال اولية مثل الاتصال الشفوي او تقنيات تعتبر قديمة مثل الاجهزة اللاسلكية. وفهم ارهابيو تلك الشبكات انهم سيستفيدون بذلك من سرية تمكنهم من حماية نشاطاتهم، من دون ان تكشفهم اجهزة المخابرات، التي مالت بشكل واسع الى تفضيل وسائل الاعتراض التقنية. لكن الاستعلام البشري رغم اهميته يتضمن ايضا نقاط ضعف مهمة لانه يزج مرات رجالا ونساء في ظروف خطرة جدا كما انه من الاستحالة بمكان ان يخرق الشبكات الارهابية عملاء اجهزة المخابرات الغربية، فالشبكات الارهابية وخاصة الاسلامية منها تعمل بشكل بالغ الضيق. يعرف اعضاؤها بعضهم البعض الآخر منذ سنوات وغالبا ما يأتون من المناطق نفسها وحتى من القرى نفسها، ويتكلمون اللغة المحلية ذاتها. فيمسي الخرق في هذه الحالات خطرا الى اقصى الحدود بالنسبة لعملاء المخابرات كي لا نقول مستحيلا.
   قرأ هذا المقال   795 مرة   
 
 

Highlights| المعلوماتية العسكرية| تكنولوجيا الدفاع | حول العالم| العالم العربي| تحديث السلاح| الافتتاحية| رسالة الناشر|  Introduction| Subscription| Advertising| Contact US