الازمات الدولية والتبدلات الاستراتيجية
فوزي ابو فرحات
رئيس التحرير
اللافت مؤخرا، تسارع الاحداث الدولية، لا سيما على المستوى الاقتصادي. وقد شهد العقد الاخير احداثا هامة على المستويات الامنية والعسكرية، وبالتالي الاقتصادية. فالحروب لها نتائج سلبية على مستوى الاقتصاد العالمي، وعلى مستوى اعادة ترتيب التحالفات والاولويات الاستراتيجية.
لقد شهد العقد الاخير من الزمن، العملية الارهابية الجوية المريعة على المركز التجاري العالمي في نيويورك، والذي تلته الحرب على افغانستان، ثم الحرب على العراق. كما شهد تداعيات ادت الى حرب اسرائيلية مدمرة على لبنان، ثم على غزة. هذا بالاضافة الى كوارث طبيعية متلاحقة في انحاء كثيرة من العالم، ونشوء اخطار حديثة غير تقليدية استدعت ولادة نظم واسلحة جديدة لمجابهة هذه الاخطار.
بالاضافة الى ما سبق، ظهرت ازمات اقتصادية عدة اهمها الازمة الاقتصادية الاميركية، ثم الازمة الاوروبية، كان تأثيرها السلبي واضحا على قيمة الدولار ثم اليورو، مما عكس الامر على عملات اخرى في العالم. وكان للعوامل المذكورة اعلاه، نتائج فاعلة على المستويات الاستراتيجية والاقتصادية، ادت الى محاولة اعادة ترتيب بعض التحالفات الاقليمية والدولية، على ضوء الاولويات المستجدة لدى بعض الدول. ورافق الامر عودة الحيوية الاقليمية والدولية لامبراطوريات قديمة مثل تركيا وايران، كما اهتز الدور الاحادي للولايات المتحدة الاميركية الذي ازدهر بعد نهاية الحرب الباردة.
ومن الامثلة الحية في تأثير الاقتصاد على استراتيجيات الدول، الازمة الاقتصادية الاوروبية وبعض تداعياتها. فهذه الازمة دفعت دولا اوروبية عدة، لا سيما المانيا، الى اعادة النظر في استراتيجيتها المعتمدة. ولا بد من القاء الضوء على هذا الموضوع.
فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سعى الالمان الى الحفاظ على علاقات متينة مع دول الجوار لا سيما فرنسا، وذلك للحؤول دون تجدد الحرب التي تكررت ثلاث مرات منذ العام ١٨٧٠. كما اعتمد الالمان هدفا رئيسيا يتمثل باعادة الاعمار والازدهار الى المانيا، التي لا تزال حتى الان تتذكر الانهيار الكبير، وتسعى الى بناء مجتمع يسوده الرخاء الاقتصادي. ولا شك ان الاتحاد الاوروبي اوحى في البدء انه قادر على تعميم الازدهار والاستقرار في اوروبا.
لكن الازمة المالية عام ٢٠٠٨، ضعضعت ثقة المانيا بالاتحاد الاوروبي كوسيلة لتعميم الازدهار، وزاد الامر سوءا الازمة المالية الحالية في اليونان. فالشعب الالماني لا يرتاح الى دولته اذا كان المطلوب منها فقط، ان تكون رافعة للعثرات الاقتصادية التي تعاني منها بعض الدول الاوروبية الاخرى، بحيث تؤدي عثرات الآخرين الى ضعضعة الاقتصاد الالماني وزعزعة ازدهاره.
بالطبع هذا لا يعني ان المانيا راغبة في التخلي عن الاتحاد الاوروبي الذي منحها سنوات طويلة من السلام، ولكنها تنوي البقاء ساهرة على مصالحها الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، عادت شاخصة الى علاقتها بروسيا التي تؤمن لها ٤٠ بالمائة من حاجتها للغاز الطبيعي، الذي يدعم الاقتصاد الالماني، كما ان روسيا بحاجة الى التكنولوجيا لتنمية اقتصادها ايضا. ولذلك فالاستراتيجية الالمانية، بعد الازمة المالية اليونانية، تتجه الى تعزيز العلاقة الاقتصادية مع روسيا، لان عددا كبيرا من المؤسسات الالمانية يستثمر في روسيا منذ زمن حيث تتوفر اليد العاملة. كما ان الواقع الاوروبي الحالي يحتاج الى اعادة تنظيم الاتحاد الاوروبي لحماية المانيا من بعض السياسات المحلية في دول هذا الاتحاد. فالمانيا بحاجة الى ايجاد شريك اضافي آخر، اذا بدت اوروبا انها متوجهة نحو مرحلة ركود طويلة. وتعتقد المانيا ان تعاونها مع روسيا، ليس هدفا اقتصاديا فقط، بل امنيا ايضا، وتأمل ان تنجح بدمج روسيا بالنظام الامني الاوروبي.
فاذا كان التوجه الالماني الجديد حقيقيا فالاسئلة المطروحة كثيرة. ومنها: ماذا سيكون عليه الموقف الفرنسي؟ وكيف سيبدو الموقف البولندي؟ وهل من محاذير في هذا الامر بالنسبة لمنظمة حلف شمالي الاطلسي؟ كما ان السؤال الاكبر: كيف ستعالج المانيا علاقتها مع الولايات المتحدة الاميركية؟
الامر يسير بهدوء، والنتائج تظهرها المباحثات المتعددة الجارية، وليس من شيء ثابت حتى الان.
فالمستقبل القريب يوضح كل شيء...