الحرب الجوية
تحليق أطول المركبات الجوية دون طيار


بقلم: ريتشارد غاردنر
توسعت السوق العالمية للمركبات الجوية دون طيار بشكل كبير حاليا فيما ادرك مزيد من العسكريين ومراقبي الحدود والوكالات البحرية للقدرة على تقديم بديلا بتكلفة منخفضة لطائرات المراقبة العادية. فالحرب في كوسوفو والعراق وافغانستان شهدت تحولا سريعا في العمليات الجوية العسكرية التي اتاحت للمركبات الجوية دون طيار ان تتولى دوريات بعيدة المدى باستعمال اقل عدد من الموظفين من اسراب الطائرات العادية ولا تحتاج الا لدعم وصيانة اقل.





قدرة المركبات الجوية دون طيار


ان قدرة المركبات الجوية دون طيار على البقاء في موقعها لفترات طويلة في الجو تعني ان اسطولا صغيرا نسبيا من الطائرات يستطيع ان يؤمن تغطية على مدى 24 ساعة يوميا لمدة سبعة ايام في الاسبوع. فكلما عادت طائرة الى قاعدتها للتزود بالوقود واجراء فحص روتيني، تستطيع طائرة اخرى ان تأخذ مكانها في الجو، وهكذا يمكن التغلب على القيود الفيزيائية، التي تنجم حتما عند استعمال طائرات مراقبة عادية بطيار، حينها تُزال الحاجات البشرية من المطالب العملانية. وفي الماضي، كانت حتى اكبر منصات المراقبة بطيار التي ربما كانت تحمل اطقم اسعاف تضطر للتبديل في منتصف الطريق خلال المهمة، فهي لا تستطيع البقاء في الجو، حتى في حال التزود بالوقود، الا لمدة اقل من 24 ساعة متواصلة. اضافة لذلك، ان العامل المهم هو ان المهام التي ينفذها التي تدوم طويلا تنطوي على مستويات جهود اضافية للطاقم كلما بقيت الطائرة في الجو لمدة اطول، ويأتي مع هذا الجهد انخفاضا تدريجيا في الانتاج والفاعلية عموما. وبالمقارنة فالمركبة الجوية دون طيار غير ملزمة بهذه القضايا، ويمكن ان تعمل نظمها جيدا ايضا بعد مهمة تدوم 24 ساعة كما بعد مهمة تدوم ساعة واحدة. ويترتب على طاقم المراقبة على الارض مع ذلك ان يراقب العمليات ويقيّم البيانات والصور التي ترسل من المركبة الجوية دون طيار، الا انه يجري تطوير نظم مستقلة اضافية التي تخفض الحاجة اكثر الى المراقبة البشرية للمركبة عندما تبرمج مهمتها.

عامل الاستثمار


كلما انخفض الطلب على المنصات الجوية بطيار الباهظة الثمن، كلما انخفضت ايضا تكاليف تدريب الطاقم على الطيران. وهذه التخفيضات تحرر ميزانية اكبر للمركبات الجوية الجديدة دون طيار، والنظم الرقمية المعقدة التي تتضمنها. وتصبح وصلات البيانات الآمنة فيها تتيح اتصالات شبه لحظية بين المركبات الجوية دون طيار والمحطات الارضية ووحدات القارات الرئيسية وشبكة الاتصالات العملانية الاوسع، وباتت مزايا الاتصالات هذه تشكل عوامل رئيسية في استثمار افضل استعمال من المركبات الجوية دون طيار. وعندما تشغل قوة جوية مركبة جوية دون طيار في دور المراقبة فلا بد ان تأخذ بالاعتبار ما اذا كانت المهمة عرضة لخطر الاعتراض من العدو. وحيث لا توجد اية مقاومة جوية، كما في افغانستان، فليس هناك من مشكلة. لكن عندما حاولت القوات المناصرة للجيورجيين استعمال مركبات جوية دون طيار من اسرائيل لمراقبة التحركات الروسية قريبا من منطقة الحدود المتنازع عليها، كان يجري اسقاطها بسهولة بالمقاتلات الروسية التي استعملت صواريخ جو - جو قصيرة المدى لهذه الغاية. ونتيجة لهذه الخبرة، تتحرك القوات الاميركية نحو مفهوم ان تحمل الطائرات دون طيار الكبيرة صاروخا واحدا او صاروخين جو - جو للدفاع الذاتي المحدود ضد هذه الهجمات حين تقوم بدور المراقبة الجوية. وتستطيع اكبر انواع المركبات الجوية دون طيار التي تستديم طويلا ان تحمل صواريخ خفيفة الوزن تطلق وتنسى دون ان تخفض كثيرا من احمالها النافعة الاخرى.





العمليات المستقلة


اطلقت شركة (BAE Systems) بنجاح جوا اكبر طائرة دون طيار مستقلة تماما تبنى على الاطلاق في المملكة المتحدة واكبر طائرة تحلق في اي مكان. وقد انجزت الطائرة (Mantis). التي تمثل الجيل الجديد من النظم المستقلة، طيرانها الاول في اواخر السنة الماضية في (Woomera) بجنوب استراليا. وانجزت خلال تجارب لاحقة سلسلة تجارب اثبتت قدرة النظام وامكانية النظم الكبيرة دون طيار على دعم الحاجات العملانية لوزارة الدفاع البريطانية. وتمول برنامج التجارب وزارة الدفاع البريطانية بمشاركة الصناعة البريطانية، ويشكل برنامج النظم الكبيرة هذا الفارق الرئيسي بين المركبات الجوية دون طيار البسيطة نسبيا والتي تستديم طويلا حاليا والتصاميم الخفية اكثر، مثل مركبة (Taranis)، التي سوف تحل محل قسم من طائرات القتال الحالية، مثل طائرة (Tornado)، والمقاتلة الضاربة المشتركة (F-35JSF).


واكد نائب مارشال الجو ومدير معدات الدفاع ودعم القتال الجوي، (Simon Ballom)، "ان هذه التجارب اثبتت في نهاية برنامج اثبات هذه التكنولوجيا عددا من العوامل الرئيسية الناجحة التي ساعدت على بناء الثقة في جدوى النظام الجوي دون طيار الذي يستديم طويلا على ارتفاع متوسط للمملكة المتحدة". وكانت مركبة (Mantis) غير معروفة لدى الجمهور الى ان كشف النقاب عنها في معرض (Farnborough) الجوي عام 2008، كمركبة شكلية بحجم كامل، شكل حجمها بعض المفاجأة. وفي مرحلة البرنامج الاولى، كانت شركة (BAE Systems) تعمل الى جانب وزارة الدفاع البريطانية واطراف صناعية رئيسية، بما فيها شركة رولس - رويس (RR) وعدد من الشركات الصناعية البريطانية الاخرى. وقال (Chris Allam)، مدير ادارة اعمال النظم المستقلة والقدرة المستقبلية (AS&FC) في شركة (BAE Systems) ان مركبة (Mantis) انطلقت من المفهوم التصميمي الى الطيران في خلال 19 شهرا فقط، وعملت وزارة الدفاع البريطانية وشركة (BAE Systems) وعدد من الاطراف الصناعية معا لاتمام هذا البرنامج. وتؤكد المركبة على المهارة والابتكار في قطاع الجو فضاء البريطاني وقدرته على الانتقال بسرعة من المفهوم الى الواقع.


يبلغ طول باع جناح المركبة (Mantis) 20 مترا، وهي اول طائرة من شركة (BAE Systems) تعمل كلها على الكهرباء. ويهدف النظام في الدرجة الاولى الى نشره بسهولة للعمل في جميع انحاء العالم. ويمكن تجزئته ليناسب طائرات النقل العسكرية. وليس الهدف من المركبة (Mantis) ان تشكل نموذجا فقط لطائرة اختبارية، بل صممت لتكون حصان عمل فعلا في المستقبل مع عناصر " إكبس وشغّل" ضمن "نظام المهام" والقدرة على حمل سلسلة واسعة من المستشعرات، بما فيها رادار ونظم بصرية - الكترونية مع كاميرا وفيديو وأشعّة تحت الحمراء.


تختلف مركبة (Mantis) عن النماذج المطورة من المركبات الجوية دون طيار الشائعة اكثر حاليا، في كونها تشكل نظام طائرة دون طيار من الجيل الجديد مستقلة تماما. فهي تستطيع القيام بتنفيذ مهامها على مستوى منخفض دون الحاجة الى التدخل البشري لفهم محيطها والتجاوب معه. وهذه الاستقلالية الفعّالة عملانيا تتيح مزيدا من التركيز على المهمة من دون القلق التقليدي حول التحكم بالمركبة. وتخفض ايضا (Mantis) من متطلبات القوة العاملة وخطر الحوادث العائدة للاخطاء البشرية والاتصالات ومتطلبات وصلة البيانات بين المركبة والارض. وقد تم تجربة اسلوب التشغيل المستقل تماما من خلال مركبات جوية دون طيار اصغر من شركة (BAE) كالمركبة (Herti)، التي نُشرت وشُغّلت في ظروف محلية صعبة في افغانستان. ان مركبة (Mantis) قادرة على حَمل حِمل نافع أكبر لفترة طويلة جدا في الجو، وتكمن فائدتها في انها تتمتع بمحركين يمنحانها سلامة كبرى ومجازفة اقل لجهة احتمال خسارتها تماما التي قد تنجم عن مشكلة بسيطة نسبيا في المحرك. وتتميز قدرتها على الطيران المستقل بخيارات مختلفة للوصول، اذا كانت هناك مشاكل في الجو، مثل اصطدام طائر او اقتراب عاصفة رملية. وتستطيع المركبة العودة اوتوماتيكيا للهبوط على الارض بامان باسلوب محدد سلفا او توجه بتحكم من الارض الى هبوط بديل. وان مهمة خطة الطيران ملقمة سلفا قبل الاقلاع، وان العملية من ثم هي اوتوماتيكية برمتها. ويمكن ايضا زيادة انماط المراقبة العادية بمهام محددة اكثر مع توزيع المعلومات الناجمة من ذلك الى اي مكان تدعو الحاجة له في اسرع وقت تقريبا. ويمكن اجراء تدقيق على الارض حول النشاط المريب بالتفصيل. واذا ما تم تركيب رادار متقدم خفيف الوزن يدل على هدف متحرك، فان النظام يستطيع متابعة عدد كبير من التحركات السطحية مع خيار اطلاق اسلحة ضرب جوية، اذا كان ضروريا، بعد اقامة الدليل على معرفة ايجابية. وتستطيع المركبة (Mantis) ان تقوم بجمع المخابرات السرية على مسافات بعيدة وان تحمل احمالا نافعة مهمة من ناحية المستشعرات والاسلحة المحتملة.


سوف يتميز نظام المركبة (Mantis) بقدرة لتوزيع المعلومات من طرف الى آخر، مما سوف يسهل دمجا تاما بالبنى التحتية (C14) البريطانية ويعزز القدرة العملانية المستقلة كثيرا. ويجري حاليا تحقيق الادراك الوضعي المحسن في البيئة العملانية ذات النسق العالي واتخاذ القرار من خلال دمج هذا النشاط. وتتشاطر مركبة (Mantis) بنى التحكم التحتية المشتركة مع المركبتين (Taranis) و(Herti).





المركبات الجوية الاخرى


ان احدى احدث المركبات الجوية دون طيار (MALE) التي تنطلق في الجو هي المركبة الاسرائىلية (Hermes 900)، التي حلّقت للمرة الاولى في الجو في كانون الاول"ديسمبر الماضي. وقد اعتمدت على المركبة (Hermes 450) التي كانت احدى انجح المركبات الجوية دون طيار في اسواق التصدير وحققت اكثر من 170000 ساعة طيران، اكثر من معظم المركبات الجوية دون طيار. ومع انها ليست اكبر من المركبة (Hermes 1500) المجهزة بمحركين، فان طراز المركبة (Hermes 900) يتميز بباع جناح يبلغ طوله 15 مترا وتتمتع بترس هبوط قابل للطي وتستطيع ان تحمل سلسلة كبيرة من المستشعرات التي تشمل كاشف مدى ليزري ومحدد للهدف ورادار يلتقط صورة بادق تفاصيلها (SAR) ومجموعة كاملة من الادوات البصرية - الالكترونية. ويجري تحويل البيانات فيها اما بخط الرؤية الامنة او عن طريق الاقمار الصناعية. وتتضمن كل المزايا التي جعلت مجموعة مركبات (Hermes) ان تكون مبيعاتها ممتازة في السوق العالمية مع مهمة طيران مستقلة وانطلاق واقلاع وهبوط اوتوماتيكي. وتتمتع النظم التي على متنها بارتفاع كبير في عملياتها الامنة في بيئة عسكرية وجوية فضائية مدنية مختلطة لدمج ادارة المهمة مع اجراءات مستقلة تتحاشى الاصطدام بما فيه جهاز استقبال وارسال (IFF).


اما شركة (Adcom Systems)، وهي شركة تتخذ من الامارات العربية المتحدة مقرا لها وتبني حاليا مركبات اهداف، فهي شركة جديدة في سوق المركبات الجوية دون طيار. وقد عرضت مؤخرا في معرض دبي الجوي نظام (Smarteye) الذي يؤكد على القدرة على البقاء محمولا في الجو لفترة 135 ساعة. ومن المقرر ان يقوم نظام (Smarteye) باول طيران له قريبا. ويتميز النظام بباع جناح يبلغ طوله 21 مترا، ويحمل 900 ليتر من الوقود. وهذه الطائرة دون طيار "Smarteye" مجهزة بمحرك واحد. ومن المقرر استعمالها محليا كمنصة للدورية مجهزة بكاميرات بمحورين. ولانها مشابهة بحجمها لمركبة (Predatro) الجوية دون طيار، من شركة (General Atomics)، فانها تستطيع ان تحمل مستشعرات متقدمة اكثر، لكن ليس هناك اي دليل على انتاج نموذج مسلح من المركبة (Smarteye)، او ان يتمتع الطراف بقدرة على القيام بمهمة مستقلة. وتبقى مركبة (Predator) هي المركبة الرائدة عملانيا التي تستعملها بلدان عديدة، بينها الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا وايطاليا وتركيا. وهي مجهزة بمحرك واحد فقط، ولها سجل اعتماد جيدا على العموم. وهي تلعب في افغانستان دورا رائدا في البحث عن الارهابيين وخطوط التموين ومعسكرات التدريب. وهي مسلحة بقنابل عالية التفجير (HE) او بصواريخ من نوع (Hellcat). وتستطيع المركبة (Predator) ونموذج (Raptor) الاكثر تقدما البقاء في الجو لغاية 20 ساعة، وهما سوف يغيران الطريقة التي تشن فيها الحروب.
إطبع هذا المقال    قرأ هذا المقال   231 مرة   
 
 

  
 

Highlights| المعلوماتية العسكرية| تكنولوجيا الدفاع | حول العالم| العالم العربي| تحديث السلاح| الافتتاحية| رسالة الناشر|  Introduction| Subscription| Advertising| Contact US